نصيحة عامة لمن يمنع أهل السنة من الدعوة إلى الله في مسجده، والدعوة إلى التحلي بالصبر
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 665: أنا من قرية الرباط - قريتك الأم - حصلت فتنه بيننا بسبب معاداة أهل السنة والجماعة يريدون أن يمنعوا الدعوة من مسجدنا، وقاموا بمنع الطلاب القادمين من مراكز العلم الأخرى، مع العلم أنهم لا يدرون ما معنى السنة والجماعة، فنرجو منك - فضيلة الشيخ - نصيحةً عامة للجميع.
ج 665: في الحقيقة قرية الرباط من القرى التي يحب أهلها الخير والنفع للمسلمين، وهم أهلنا وقرابتنا، ولهم حقٌّ علينا، ولا أعلم عن أهل هذه القرية إلا الخير، وأعرف مساندتهم لطلاب العلم، كما تردني بعض الأخبار الطيبة عنهم وبعض الأخبار الأخرى التي لا ألقي لبعضها بالاً، لأن الأخبار في العادة إما أن يُزاد فيها وإما أن يُنقص منها، وإما أن تردَ أخبار لا حقيقة لها في الواقع، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس الخبرُ كالمعاينة" أخرجه أحمد وغيره([1]).
وإني أنصح طلاب العلم بالرباط أن يكونوا حكماء مع الناس، وأن يكونوا رحمةً لهم ونعمةً عليهم وقدوة للآخرين، فحملة العلم يمتازون بالأخلاق الفاضلة، والتواضع والأدب الجمّ، وحسن المعاملة مع الآخرين حتى مع مخالفيهم، وتحمل الأذى لله وفي الله، فالزلة من طالب العلم تعتبر كبيرة عند العامة وربما لا يغفرونها له، بل ربما جعلها بعضم قضيةً كبيرةً يُؤلّب بسببها الناس على ذاك الداعية، والسبب قصور الداعية في حسن تعامله مع الناس، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة في الصبر على الأذى، وهو أرفع المقامات التي يجب على الدعاة فعلُه، وبه يتبين قوة إيمان الداعية من ضعفه، لأنه صبر على أذى الآخرين.
ولا شك أن "العفو عن المخطئ" من أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام، قال تعالى: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"([2]).
وقال تعالى: "وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ([3]).
وقال تعالى: "إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً"([4]).
وقال تعالى: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ"([5]).
وقد ضرب نبيكم -صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثلة في الصبر على الأذى، ومن ذلك ما روته عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم- : هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟، قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيتُ، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب([6]) فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لِتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئتَ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين"([7])؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم([8]) من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا" متفق عليه([9]).
وأنا أناديكم يا أبناء الرباط ولا أفرق بينكم، سواء أكنتم طلاب علم أم لا، أقول لكم جميعا: لقد كان سلف الأمة من أصحاب القرون الثلاثة المفضلة [ومن تبعهم بإحسان] يتسامحون في الاختلاف في ما يجوز الاختلاف فيه حفاظاً على الوحدة والكلمة، حتى تكون الأخوة الإيمانية قائمةً على مبدأ الشريعة السمحة التي توحد المتفرقين، وتجمع كلمتهم تحت لواء واحدٍ، شعاره قول رب العالمين: "وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" ([10]).
فلا تختلفوا -رحمكم الله- وكونوا يداً واحدة، حيث إنه لا فرق عندنا بين طالب جاء من دماج أو من معبر أو من مفرق حبيش أو من سيؤن، فكلهم إخواننا لهم ما لنا وعليهم ما علينا وإن حصل خلاف في أسلوب أو طريقة أو مسألة ما دام الداعية جاء ليعظ الناس ويرشدهم إلى الخير بعيداً عن الخلافات التي ظهرت بسبب تعصب بعضهم لمن يحب من المشايخ.
واللهَ اللهَ في أعيان البلد وشيبانهم، لا تختلفوا معهم واستشيروهم في بعض أموركم، ولا تقطعوا في شيء يسبب لكم فتنة دون الرجوع إليهم وأخذ مشورتهم، فهم أهل تجربة ورأي، وإن رأيتم في رأيهم خطأ أو جهلاً أو مخالفة للدين فخاطبوهم بحكمة وعلم وحلم؛ حتى يتقبلوا نصيحتكم ويعرضوا عن زلتهم، أما العنف والقوة والعصا فلا تورث إلا شرّاً واختلافًا.
|
لعمري وما عمري عليَّ بهيِّنٍ |
لقدْ نالَ أصحابُ العصا([11]) شرَّ مغنمِ |
وفقنا الله وإياكم لكل خير، وبالله التوفيق.
[1] أخرجه أحمد في "المسند" (3/ 341 رقم 1842)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 351 رقم 3250)، من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما -.
[2] سورة آل عمران: (134).
[3] سورة الشورى: (40).
[4] سورة النساء: (149).
[5] سورة النحل: (126).
[6] اسم موضع بقرب مكة، وأصل القرن كل جبل صغير منقطع من جبل كبير، والثعالب جمع ثعلب وهو الحيوان المشهور، ولعله سمي الموضع بذلك لكثرة الثعالب فيه.
[7] أي: جبلي مكة أبي قبيس ومقابله قعيقعان، سميا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما.
[8] جمع صلب، وهو كل ظهر له فقار.
[9] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب بدء الخلق - باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (3/1180 رقم3059)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب الجهاد والسير -باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين (3/1420 رقم 1795)].
[10] سورة الأنعام: (153).
[11] كناية عن الرعاة.
[12] الذي يشكو داء السعال.
[13] البيتان لذي الرمة، انظر "ديوان ذي الرمة" تقديم وشرح: أحمد حسن بَسَج، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان. الطبعة الأولى 1415هــ، 1995م، ص (275).