حكم قراءة دعاء الاستفتاح والفاتحة مع الإمام، ومتى يكون التثويب في الأذان
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 710: فضيلةَ الشيخ، ما حكم قراءة دعاء الاستفتاح والفاتحة مع الإمام، علماً أن الإمام لا يأتي بدعاء الاستفتاح، وما حكم قول: "الصلاة خير من النوم" في الأذان الثاني لصلاة الصبح، وبارك الله فيكم.
ج 710: دعاء الاستفتاح من سنن الصلاة عند جمهور أهل العلم؛ للحديث المتفق عليه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ القِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً، - قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ: هُنَيَّةً - ([1])، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ"([2]).
وورد في الاستفتاح كثيرٌ من الأدعية يطول ذكرها.
وقد ثبت الأمر به لا لكونه واجباً، وإنما لإرشاد الأمة للمحافظة عليه، والقول بالوجوب رواية عن أحمد واختارها ابن بطة وهي خلاف المشهور عن أحمد([3])، حتى صرح بعضهم بأن القول باستحبابه هو قول عامة العلماء، إلا أن المالكية ذهبوا في المشهور إلى كراهة الدعاء بعد التكبير، وهو قول مالك([4]).
والصحيح أنه سنة للمنفرد والإمام والمؤتم، واستثنى المأمومَ ابنُ حزمٍ كما في "المحلى" وقال: "وَلَا يَقُولُهَا الْمَأْمُومُ، لِأَنَّ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، وَقَدْ نَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ "([5])، وهذا اجتهاد منه وهو قول ضعيف.
أما قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية فهي منسوخة؛ لما أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما والحديث صحيح عن أبي هريرة – رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انصرف من صلاةٍ جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفا؟». فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول: ما لي أنازع القرآن»، قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما جهر فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم"([6]).
ويؤكد قولنا بأنها لا تُقرأ خلف الإمام: ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا صليتم فأقيموا صفوفَكم، ثم ليؤمكم أحدُكم، فإذا كبّر فكبروا، وإذا قال: "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ"([7])، فقولوا: آمين"([8]).
وقد حسن الألباني –رحمه الله- حديث جابر - رضي الله عنه - مرفوعًا: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"([9])، والحديث في المسند([10]).
ويقوي ما ذكرنا أيضاً لفظ أحمد في المسند، أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "فلا تفعلُوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب"([11]) على الاختيار.
وقد قلنا في فتوى سابقة: إن مما يؤكد ما رجحناه، أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة، مع العلم أن من أدركه لا يقرأ بفاتحة الكتاب، فيكون حديث عبادة بن الصامت –رضي الله عنه- الذي في الصحيحين، أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"([12]) خاصًا للمنفرد والإمام، وأيضاً للمأموم في الصلاة السرية؛ جمعاً بين الأدلة، لأن الأصل العمل بكل ما صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بدليل.
أما قراءة الفاتحة مع الإمام في الجهرية فالقول بها ضعيف، وهو معارض للسنة الصحيحة، وقد تقدم معنا الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: " هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفا؟ "، فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: " إني أقول مالي أنازع القرآن"، قال أبو هريرة: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما جهر فيه([13]).
وأما قولك: ما حكم قول: "الصلاة خير من النوم" في الأذان الثاني لصلاة الفجر؟
فنقول: إن كنت تقصد أنه الأول، وهو قبل دخول الفجر، والثاني عند دخول الفجر- فأقول لك: هذه هي السنة على المختار، خلافاً لشيخنا الألباني ومن سبقه من أهل العلم([14])؛ لحديث أبي محذورة -وهو حسن أخرجه بعض أهل السنن- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له : "وإذا أذنت بالأول من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم"([15]).
وقوله في الحديث: (أذنت بالأول) بمعنى: أذان الفجر، عند دخول وقت الصلاة.
أما الأذان الذي قبل الفجر فهو أذان ليل، ولا يُسمى بأذان الفجر أو الصبح؛ لأنه لم يدخل وقت الفجر؛ فكيف نسميه فجراً؟
ولذا فقد سماه نبينا -صلى الله عليه وسلم-أذان ليل؛ فقال -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: " إن بلالا يؤذن بليل([16])، فكلوا واشربوا([17]) حتى يؤذن ابن أم مكتوم"([18]).
لكن قد يقول لي قائل: إذا كان أذان الفجر عند دخول الوقت هو الأذان الأول، فما هو الأذان الثاني لصلاة الفجر؟
فأقول: هو الإقامة؛ بدليل الحديث المتفق عليه أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- قال: "بين كلِّ أذانينِ صلاةٌ"([19])، فالأذان الأول هو أذان الصلاة، والأذان الثاني هو أذان الإقامة، وبالله التوفيق.
[1] سكتة لمدة يسيرة.
[2] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب صفة الصلاة، باب ما يقول بعد التكبير (1/259 رقم 711)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة (1/419 رقم 598)].
[3] انظر " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي [المتوفى: 885هـ]. دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الثانية، (2/ 119).
[4] قال في "الشرح الكبير": وكان مالك لا يراه [أي دعاء الاستفتاح] بل يكبر ويقرأ؛ لما روى أنس –رضي الله عنه- قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين" متفق عليه. اهـ ["الشرح الكبير على متن المقنع" لعبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، أبو الفرج، شمس الدين [المتوفى: 682هـ]، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع. أشرف على طباعته: محمد رشيد رضا صاحب المنار. (1/515)].
[5] انظر "المحلى بالآثار" لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456هـ)، دار الفكر – بيروت. (3/14).
[6] أخرجه أبو داود في "السنن" [كتاب الصلاة- باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام (1/305 رقم 826)]، والترمذي في "السنن" [كتاب الصلاة - باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة (1/ 344 رقم 312)]، والنسائي في " السنن" [كتاب الصلاة، باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به (2/140 رقم 919)]، وابن ماجه في "السنن" [كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، بَاب إِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا (2/133 رقم 849)].
[7] سورة الفاتحة: رقم (7).
[8] أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب الصلاة –باب التشهد في الصلاة (1/303 رقم 404)] من حديث أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- مرفوعًا.
[9] انظر " إرواء الغليل تخريج أحاديث منار السبيل " للعلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني (2/268 رقم 500).
[10] أخرجه أحمد في "المسند" [مسند جابر بن عبد الله – رضي الله عنه- (22 / 12 رقم 14643)].
[11] أخرجه أحمد في " المسند" (37/ 343 رقم 22671) باللفظ المذكور، من حديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه-.
[12] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب صفة الصلاة- باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت (1/ 263 رقم 723)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها (1/295 رقم 394)].
[13] أخرجه أبو داود في "السنن" [كتاب الصلاة- باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام (1/305 رقم 826)]، والترمذي في "السنن" [كتاب الصلاة - باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة (1/ 344 رقم 312)]، والنسائي في " السنن" [كتاب الصلاة، باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به (2/140 رقم 919)]، وابن ماجه في "السنن" [كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، بَاب إِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا (2/133 رقم 849)].
[14] أي أن قول: الصلاة خير من النوم، تكون في الأذان الأول، وذلك في مواطن متفرقة في كتبه، منها قوله في "تمام المنة في التعليق على فقه السنة ": "إنما يشرع التثويب في الأذان الأول للصبح الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريبًا؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "كان في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين".. وعلى هذا ليس " الصلاة خير من النوم " من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة والإخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ النائم، فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة عوضًا عن الأذان الأول" اهـ.
قلت (الألباني): وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة لجريان العمل من أكثر المؤذنين في البلاد الإسلامية على خلاف السنة فيها أوّلاً، ولقلة من صرح بها من المؤلفين ثانيًا؛ فان جمهورهم - ومن ورائهم السيد سابق - يقتصرون على إجمال القول فيها، ولا يبينون أنه في الأذان الأول من الفجر، كما جاء ذلك صراحةً في الأحاديث الصحيحة. [تمام المنة ص (146، 147) بتصرف "مصدر سابق"].
[15] أخرجه أحمد في المسند (24/ 92 رقم 15376) واللفظ له، وأبو داود في "السنن" [كتاب الصلاة- باب كيف الأذان (1/191 رقم 501)]، والنسائي في " السنن" [كتاب الأذان- باب الأذان في السفر (2/7 رقم 633)].
[16] أي: قبل أن يطلع الفجر.
[17] أي: إذا كنتم تتسحرون، فاستمروا في الأكل والشرب.
[18] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب الأذان -باب الأذان قبل الفجر (1/ 224 رقم 597)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب الصيام- باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (2/ 768 رقم 1092)] كلاهما من حديث ابن عمر –رضي الله عنهما-.
[19] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب الأذان- باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء (1/ 225 رقم 601)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب صلاة المسافرين وقصرها- باب بين كل أذانين صلاة (1/ 573 رقم 838)] كلاهما من حديث عبد الله بن مغفل المزني –رضي الله عنه-.