الخميس 14 شوال 1447 هـ || الموافق 2 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 6346

ما مصير طفل يموت بين أهله وهم كفار وما مصير من لم يبلغه الإسلام؟

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني 


س 310: ما مصير طفل يموت بين أهله وهم كفار وهو لم يبلغ بعد، وما مصيره إذا بلغ وهو لم يسمع بالإسلام فمات؟


ج 310: أما مصير الطفل الذي يموت بين أهله ولم يسلم ولم يبلغ فقد اختلف في ذلك أهل العلم أيما اختلاف فمنهم من توقف في أمره وفوض حاله إلى الله عملًا بما أخرجه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"([1]).

ومنهم من قال هم في الجنة عملًا بما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يُمجِّسانِه"([2]).

وقالوا: الأصل فيه الفطرة وهي دين الإسلام لا يخرج عنها إلا بدعوة أهله إلى الكفر.

قال النووي في الشرح: (وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة، ويستدل له بأشياء منها حديث إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة وحوله أولاد الناس؛ قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين، قال: "وأولاد المشركين" رواه البخاري في صحيحه([3])، ومنها قوله تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا"([4])، ولا على المولود التكليف ويلزمه قول الرسول حتى يبلغ وهذا متفق عليه والله اعلم)([5])أ.هـ.

ومنهم من جزم أنهم من أهل النار تبعًا لآبائهم فأولاد المسلمين في الجنة وأولاد الكفار في النار وحكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج واحتجوا بقوله تعالى: "رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا"([6]).

وهذا مذهب أزارقة الخوارج كما نقله ابن حزم وحكاه عياض عن أحمد وغلطه ابن تيمية بأنه قول لبعض أصحابه ولا يحفظ عن الإمام أصلا.

ومنهم من قال إنهم في مشيئة الله تعالى وهو منقول عن الحمادين وابن المبارك وإسحاق ونقله البيهقي في (الاعتقاد) عن الشافعي في حق أولاد الكفار  خاصة.

قال ابن عبد البر: (وهو مقتضى صنيع مالك وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار خاصة في المشيئة والحجة فيه حديث: "الله أعلم بما كانوا عاملين")([7]).

ومنهم من قال: هم على الأعراف وهذا بعيد كل البعد إذ لا دليل لهم يمكن التعويل عليه.

ومنهم من قال إنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة ولا سيئات يدخلون بها النار.

ومنهم من قال: خدم أهل الجنة وفيه حديث عن أنس ضعيف أخرجه أبو داود الطيالسي وأبو يعلى([8]).

وللطبراني و البزار من حديث سمرة مرفوعا: "أولاد المشركين خدم أهل الجنة"([9]).

وإسناده ضعيف.

ومنهم من قال: إنهم يصيرون ترابا.

روى عن ثُمامة بن أشرس وهذا أضعف المذاهب على الإطلاق.

ومنهم من قال: إنهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن أبى عُذب أخرجه البزار من حديث أنس وأبي سعيد وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل([10]).

وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة وحكى البيهقي في كتاب (الاعتقاد) أنه المذهب الصحيح وتُعُقِّبَ بأن الآخرة ليست دار تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء وأجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار وأما في عرصاتِ القيامة فلا مانع من ذلك.

وقد قال تعالى: "يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ"([11]).

وفي الصحيحين: "أن الناس يؤمرون بالسجود فيصير ظهر المنافق طبقا([12]) فلا يستطيع أن يسجد"([13]).

ومنهم من قال: بالوقف.

ومنهم من قال: بالإمساك وفي الفرق بينهما دقة([14]).

هذه خلاصة المذاهب في هذه المسألة كما نقل ذلك الحافظ النووي في الشرح وابن حجر في الفتح.

والذي يترجح في المسألة هو القول بأنهم في الجنة لما سلف ذكره من الأدلة ولأدلة أخرى قوية في هذا الباب.

قال الحافظ في الفتح عن الإمام البخاري: (كان متوقفًا في ذلك وقد جزم بعد هذا  في تفسير سورة الروم بما يدل على اختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة كما سيأتي تحريره وقد رتب أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يشير إلى المذهب المختار فإنه صدَّره بالحديث الدال على التوقف ثم ثنى بالحديث المرجح لكونهم في الجنة ثم ثلث بالحديث المصرح بذلك فإن قوله في سياقه: وَأَمَّا الصِّبْيَان حوله فأولاد الناس.

قد أخرجه في التعبير بلفظ: وأما الولدان الذين حوله فكل مولود يولد على الفطرة.

فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟

فقال: "وأولاد المشركين"([15]).

ويؤيده ما رواه أبو يعلى وغيره من حديث أنس مرفوعًا: "سألت ربي اللأهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم([16])"([17])، إسناده حسن.

وورد تفسير اللأهين بأنهم الأطفال من حديث ابن عباس مرفوعا أخرجه البزار وروى أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن صريم عن عمها قالت: قلت: يا رسول الله من في الجنة قال: "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة"([18]) إسناده حسن)([19]). انتهى كلام الحافظ.

وأما مصيره إذا بلغ وهو لم يسمع بالإسلام فمات فيحمل على أهل الفترة لأنه ما بلغه هذا الدين ومصيره الاختبار، لما أخرجه أحمد في مسنده بإسناد حسن عن الأسود بن سريع أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربعة يوم القيامة؛ رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا"([20]).

وفي رواية أخرى عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن لم يدخلها يسحب إليها"([21]).

وهذا دليل أنهم يختبرون خلاف من مات وهو صغير؛ وبالله التوفيق 
____
([1]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين (6/2434 رقم 6224)]، ومسلم في صحيحه [كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (4/2049 رقم 2660)] كلاهما من حديث ابن عباس.
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين (1/465 رقم 1319)]، ومسلم في صحيحه [كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (4/2047 رقم2658)] كلاهما من حديث أبي هريرة.
([3]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح (6/2583 رقم 6640)] من حديث سمرة بن جندب.
([4]) سورة الإسراء، الآية (15).
([5]) النووي، شرح صحيح مسلم (16/208)، مصدر سابق.
([6]) سورة نوح، الآية (26)
([7]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين (6/2434 رقم 6224)]، ومسلم في صحيحه [كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (4/2049 رقم 2660)] كلاهما من حديث ابن عباس.
([8]) أخرجه أبويعلى في مسنده [يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك (7/130 رقم 4090)] من حديث أنس بن مالك.
([9]) أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط [من اسمه إسماعيل (3/220 رقم 2972)] من حديث أنس بن مالك.
([10]) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير [الأسود بن سريع المجاشعي (1/287 رقم 845)] من حديث الأسود بن سريع.
([11]) سورة القلم، الآية (42).
([12]) لا ينثني للسجود ولا ينحني له، وقيل: الطبق ففار الظهر أي سار فقاره واحدا.    
([13]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب التوحيد, باب قول الله تعالى {وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة} / القيامة 22, 23 /(6/2706 رقم 7001)]، ومسلم في صحيحه [كتاب الإيمان, باب معرفة طريق الرؤية (1/167 رقم 183)] كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري نحوه.
([14]) انظر: ابن حجر، فتح الباري (3/246)، مصدر سابق.
([15]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح (6/2583 رقم 6640)] من حديث سمرة بن جندب.
([16]) عفا عنهم لأجلي فلا يعذبهم.
([17]) أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (6/111) من حديث أنس بن مالك.
([18]) أخرجه أحمد في مسنده [مسند الكوفيين، حديث رجال من الأنصار رضي الله عنهم (5/58 رقم 20602)] من طريق خنساء بنت معاوية بن صريم عن عمها.
([19] ابن حجر، فتح الباري (4/462)، مصدر سابق.
([20]) أخرجه أحمد في مسنده [مسند المدنيين، حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه (4/24 رقم 16344)] من حديث الأسود بن سريع.
([21]) أخرجه أحمد في مسنده [مسند المدنيين، حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه (4/24 رقم 16345)] من حديث أبي هريرة.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام