الثلاثاء 23 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 9 يونيو 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 4092

تعقيب السائل على فتوى الشيخ السابقة حول قتل الزوجة زوجها إذا رأته يزني، والعكس
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س 706: نريد من فضيلتكم زيادة إيضاحٍ حول الفتوى التي وجهت إليكم عن حكم قتل الزوج زوجته الزانية، وقتل الزوجة زوجها الزاني – أحسن الله إليكم-.

ج 706: سبق وأن قلنا: إن من رأى زوجته تزني مع إنسان، أو رأت المرأة زوجها يزني مع امرأة، فلا يحل القتل لفاعل الزنا ولا للمفعول به، وكما قلنا: إن هذه القضية مردها للقاضي.

ويبدو أن السائل أخذ ببعض الفتاوى المشهورة، التي تجيز قتل الفاعل والمفعول به، وأقول للسائل الكريم:

لقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن سعد بن عبادة الأنصاري قال: يا رسول الله، أرأيت الرجلَ يجدُ مع امرأتهِ رجلاً أيقتلُه؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : لا، قال سعد: بلى والذي أكرمك بالحق، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم"([1]).

فقوله -صلى الله عليه وسلم- : "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم" ليس معناه: خذوا بقوله، ودعوا قولي، وإنما قالها استنكاراً عليه أو متعجباً من غيرته.

قال ابن عبد البر المغربي في "التمهيد" عند شرحه على هذا الحديث ما معناه: الحديث نهى عن قتل من هذا حاله تعظيماً للدم وخوفاً من التطرق إلى إراقة دماء المسلمين وسد الباب من الافتيات على السلطان في الحدود التي جعلت في الشريعة إليه([2]).

ثم أجاب -رحمه الله- فيما معناه عما أخرجه الشيخان: "أن سعد بن عبادة قال: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني".

فقال: إن هذه الغيرة لا تبيح للغيور ما حرمه الدين، وأنه يلزمه مع الغيرة الانقياد لشرع الله، وأن لا يتعدى حدوده([3]).

فأقول للسائل: ليس من ادعى دعوى أجيبت دعواه، وإلا لادعى أقوام بمثل هذه الدعاوي لاستباحة دماء خصوم قتلوهم.

وبنحو قول ابن عبد البر قال ابن تيمية، وبمعناه تلميذه ابن القيم وجماعة.

وقد قلنا في فتوى سابقة: إن حديث سعدٍ –رضي الله عنه- ليس فيه إقرار وتجويز بالقتل، وأما أثر عمر الذي ذكره السائل فهو ثابت إن شاء الله([4])، ومعناه: إن ظهرت البينة أو الشهود الأربعة، أو إقرار أحدهما -أعني الزاني لو بقي غير مقتول، واعترف على المجني عليها بالقتل يعني من الزوج، أو من وقعت في الزنا، فهنا يحكم القاضي بأنه لا قصاص ولا دية، وهذا ما أشرنا إليه في فتوى سابقة.

أما القتل وليس هناك شهود ولا بينات، فراجعٌ للقاضي الذي يقف على مثل هذه الحالة فيجتهد، فقد يحكم بالدية على القاتل، وقد يحكم بالدية والسجن، وقد يحكم عليه بالقصاص، فليست القضية متحدة لكل قضية تحدث، إلا أن الغالب هو الدية، وليس حكماً واحداً، فقد تكون هناك ملابسات وأمور أخرى يطلع عليها الحاكم، فيجتهد ويقضي بما يراه يقربه للعدل، وبالله التوفيق.


[1] أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب اللعان (2/ 1135 رقم 1498)].

[2] قال ابن عبد البر: "في هذا الحديث النهي عن قتل من هذه حاله تعظيمًا للدم، وخوفًا من التطرق إلى إراقة دماء المسلمين بغير ما أمرنا الله به من البينات، أو الإقرار الذي يقام عليه وسد الباب الافتيات على السلطان في الحدود التي جعلت في الشريعة إليه، وأمر فيها بإقامة الحق على الوجوه التي ورد التوقيف بها" اهـ [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد] أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ). تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، ومحمد عبد الكبير البكري. مؤسسة القرطبة ط. 1387هـ / 1967م. (21/ 253).

[3] قال ابن عبد البر: "[إن] الغيرة لا تبيح للغيور ما حرم عليه، وأنه يلزمه مع غيرته الانقياد لحكم الله ورسوله وأن لا يتعدى حدوده؛ فالله ورسوله أغير، ولا خلاف علمته بين العلماء فيمن قتل رجلًا ثم ادّعى أنه إنما قتله لأنه وجده مع امرأته بين فخذيها ونحو ذلك من وجوه زناه بها، ولم يعلم ما ذكر عنه إلا بدعواه أنه لا يقبل منه ما ادعاه، وأنه يقتل به، إلا أن يأتي بأربعة شهداء يشهدون أنهم رأوا وطئه لها وإيلاجه فيها" اهـ، [التمهيد 21/ 256].

[4] عن عمر: "أنه كان يوما يتغدى، إذ جاء رجل يعدو، وفى يده سيف ملطخ بالدم، ووراءه قوم يعدون خلفه، فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر: ما تقول؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إني ضربت فخذي امرأتي، فإن كان بينهما أحد فقد قتلته، فقال عمر: ما تقولون؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر سيفه فهزه ثم دفعه إليه وقال: إن عاد فعد. [أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن عمر مرسلاً. وقد ذكر إسناد سعيدٍ الموفقُ في "المغني": (8/270 ،271).].




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام