أدركوا من بقي في السفينة قبل أن يغرقوا
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
يا أمة محمد: هناك في أرض العزة، سفينة مثقوبة تمخر عباب الموت منذ أكثر من سنة، ركابها أطفال تمزقت أجسادهم، ونساء أكلت النار ملامحهن، وشيوخ خذلتهم الأرض، وسكنهم القصف بدل السكينة.
سفينة لا تحمل مؤنا، بل تحمل أكفانا، لا تمخر الماء، بل تعوم على الدماء.
(وإذا الموؤودة سئلت، بأي ذنب قتلت).
وها هي أرضهم تقول: بأي ذنب قتلت الطفولة؟ بأي ذنب قتل الأمل؟ بأي ذنب يدفن الأبناء قبل أن ينطقوا بكلمة: أماه؟
أدركوهم قبل أن يغرقوا.
في كل بيت قصة وجع، وفي كل شارع شاهد مجزرة، وفي كل مقبرة طفل ما عرف الحياة.
إنهم لا يموتون مرة، بل يموتون كل يوم ألف مرة تحت الحصار، والقصف، والجوع، والخذلان.
في الحديث المتفق عليه،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
فهل بكى الجسد؟ هل سهر؟ هل تحركت أطرافه؟ أم أنه أصابه الشلل، ونام في حضن العجز؟
أدركوا من بقي في السفينة قبل أن يغرقوا.
والله إن القلوب لتتمزق، وإن العيون لتدمع، ولكن ماذا بعد؟
هل نمسح دمعة أم فقدت أبناءها؟ هل نسكت صرخة طفل أخرج من تحت الركام بلا يدين؟
هل نواسي شيخا يحفر قبر حفيده بيده؟
قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، وقال تعالى (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر).
فهل نصرنا إخوتنا؟ هل قمنا بحق أخوتنا؟
أم أننا خذلناهم كما خذل المنافقون الصحابة يوم أحد، وقالوا: (لو أطاعونا ما قتلوا).
يا أمة الملياري مسلم: إن أرضكم لا تريد منكم خطابات، ولا دموعا، وإنما تريد شهقة نخوة، وصيحة رجولة، ودمعة صدق، ويدا تنقذ من بقي حيا، قبل أن يقبر حيا.
أدركوا من بقي في السفينة قبل أن يغرقوا.
هل تنتظرون حتى لا يبقى في السفينة إلا أطلال ودمار؟ هل تنتظرون حتى لا تجدوا من تغيثوه، فيكتب عليكم الخذلان في صحف الكتبة المطهرين المكلفين من رب العالمين؟
يا أمة محمد حكاما ومحكومين: يجب عليكم أن تهبوا جميعا، قومة رجل واحد، لنصرة إخوانكم، كل حسب قدرته ووسيلته، علماء، وطلاب علم، وسياسيين، وإعلاميين، ومن له أدنى قرار، أو ورقة ضغط، وإلا فإن الله سائلكم، سائلكم عن الدماء، وعن الأرواح، وعن الخذلان، وعن الصمت في زمن المذبحة.
تلك الأرض ليست اختبارا لأهلها، بل اختبار لكم أنتم، اختبار لضمائركم، لإيمانكم، لكم كمسلمين.
أدركوا من بقي في السفينة قبل أن يغرقوا.
فإنها ليست سفينتهم وحدهم، بل سفينة الأمة كلها، فإن غرقت، فلن ننجو نحن، فالأيام دول، وسلوا تاريخكم التليد.