الدولة بين فقه التاريخ وسنن السياسة وميزان الشريعة
(رسالتي للحكومات العربية والإسلامية)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الدولة أرض وحكومة، نظام متكامل يجمع بين الإنسان والمكان والسلطة المنظمة العادلة.
تحمل بين جدرانها أمن الناس وكرامتهم واستقرارهم، فليست حدودا على خريطة، ولا شعارات ترفع في ساحات عامة، بل هي مسؤولية وأمانة وحق للمجتمع قبل أن تكون سلطة لمن يحكمها.
التاريخ حافل بالدروس، فالأمم التي قامت على الصدق والكفاءة والوحدة نجت، ومن ابتليت بالتحزب والمصالح الحزبية الضيقة انهارت.
أمم الفينيقيين والرومان في أواخر أيامهم، وممالك أوروبا قبل عصر الدولة الحديثة، شهدت سقوطا متدرجا، بدأ بالانقسام الداخلي، ثم الصراع على المناصب والثروات، وانتهى إلى تمزق الدولة وذهاب سلطتها إلى أيدي من لا يرقبون في المواطن إلا ولا ذمة.
وفي التاريخ الإسلامي، نجد الخلفاء الراشدين نموذجا فريدا: لم يكن معيار التولية القبيلة أو القرب، بل الدين والأمانة والكفاءة.
فقد ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن العاص على مصر، ومعاوية على الشام، لا لقرابة ولا لحزب، بل لوصفه بالقدرة على الإصلاح وإحقاق الحق، مع مراقبة ومحاسبة دائمة، رغم أن هناك من هو خير منهما إيمانا وعلما، ورضي الله عن جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السياسة الحقيقية هي فن الإدارة والبناء، وليس توزيع الكعك أو المناصب.
فالتحزب وخصوصا المبالغ فيه يحول الدولة إلى ساحة صراع دائم، ويجعل المواطن ضحية للولاءات الحزبية، فتضيع المرافق، وتنتشر الفوضى، ويصبح الحكم مصلحة شخصية أو حزبية لا أداة لإعمار الأرض وتحقيق العدالة.
أما الدول التي تحفظ استقلال القرار، وتربط السلطة بالكفاءة، فقد صنعت الاستقرار والعدالة والأمن لشعوبها، كما في الخلافات الإسلامية والممالك والحكومات التي يراعى فيها الدين، وتحكيم الشريعة، ولا تفتح أبواب المناصب للانتماءات الحزبية، بل لمن يستحق الأمانة والكفاءة، وقد كتب ووثق المؤرخون الأوربيون وغيرهم شهاداتهم عما رأوه من العدالة والرقي في ظل الحكومات الإسلامية السابقة.
الشريعة الإسلامية جعلت الحكم أمانة قبل أن يكون سلطة، فقال الله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل).
كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم تولية غير الأكفاء فقال: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله) أخرجه البخاري.
فالعدل والأمانة هما ميزان الحكم، والولاء للحزب أو الطائفة لا يجوز أن يعلو على مصلحة الأمة ووحدة الصف.
والحاصل: أن أي دولة تغلق باب المحاصصة، وتفتح باب الكفاءة، وتربط الحكم بالدين والعدل، تبني الأمة وتصونها من الانحراف والفوضى.
أما من يجعل الولاء للحزب أو التكتل أساس توزيع المناصب، فإنه يزرع بذور الخراب، ويكتب على نفسه وعلى شعبه تاريخا من التمزق والفوضى.
خذوا التجربة من سقوط الأندلس يوم غلبت العصبيات على مصلحة الأمة، وتذكروا كيف صار حال بغداد يوم تكالب عليها الداخل قبل أن يغزوها الخارج.
واعلموا أن أول أبواب الحماية للوطن هو الوحدة والعدل، وأول أبواب الهزيمة هو الظلم والفساد والتحزب.
الدولة بين فقه التاريخ وسنن السياسة وميزان الشريعة ليست حبرا على ورق، بل مسؤولية كبرى وحق عظيم على كل حاكم ومواطن.
فمن أراد الخير لأمته، فليعقد الولاء للحق الذي لا يتعدد، وليفتح باب الأمانة لمن يستحقها، ويغلق باب الانتماءات الضيقة التي تمزق الدولة وتفكك المجتمع.
والله من وراء القصد.