الثلاثاء 23 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 9 يونيو 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 372

المسلمون أو التسمية بالسلفيين.. ولماذا؟

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


الحمد لله الذي سمى هذه الأمة باسم الإسلام فقال: (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل كما ثبت عنه عند الترمذي وغيره: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، ثم أما بعد:

فإن أعظم وسام يتقلده المؤمن أن يكون مسلما، كما قال تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين).

ولذلك كان الصحابة لا يفتخرون بانتماءات جانبية، بل يفتخرون بأنهم مسلمون.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول كما صح عنه عند الحاكم وغيره: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله).

وقد يتساءل البعض لماذا ظهر مصطلح السلفيين؟

والجواب: لما كثرت الأهواء والفرق، وأخذت كل فرقة ترفع شعار الإسلام، كان لا بد من ضابط يميز أهل الحق من أهل الباطل، فكان اللجوء إلى فهم السلف الصالح، أي جيل الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).

وهذا يعني أن الحق لا يخرج عن أقوالهم، وأن سبيلهم هو السبيل الآمن.

جاء بعض الخوارج إلى عبد الله بن مسعود ينكرون على الصحابة قتال الفتنة، فقال: (هلكتم! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) أخرجه مسلم.

فهنا لم يقل ابن مسعود: نحن حزب كذا، بل بين أن المقياس هو اتباع ما جاء به النبي وأصحابه.

وحين ظهرت البدع في الشام، قال الأوزاعي: (اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (ص 174).

وفي فتنة القول بخلق القرآن، ثبت الإمام أحمد على الحق، وكان يقول كما في كتاب السنة للخلال (1/111): (الزموا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإياكم والبدع).

وأخرج البربهاري في كتاب السنة، قال الفضيل بن عياض رحمه الله: (إذا رأيت رجلا من أهل السنة، فكأنما أرى رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه تابع لآثارهم، ومتخلق بأخلاقهم، فكأنه منهم).

فلم يقل أحدهم أنا أحمدي أو حزبي، بل التزم باسم الإسلام ومنهج السلف، لأن السلفية ليست شعارا سياسيا ولا لافتة حزبية، بل هي التزام عملي بوصية النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) أخرجه أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح.

قال ابن تيمية في الفتاوى (1/149): (ولا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا).

قال ابن عثيمين كما في لقاءات الباب المفتوح (3/246): (السلفية: هي اتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأنهم هم الذين سلفونا وتقدموا علينا، فاتباعهم هو السلفية،

وأما اتخاذ السلفية كمنهج خاص ينفرد به الإنسان ويضلل من خالفه من المسلمين ولو كانوا على حق، واتخاذ السلفية كمنهج حزبي فلا شك أن هذا خلاف السلفية ، فالسلف كلهم يدعون إلى الاتفاق والالتئام حول سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يضللون من خالفهم عن تأويل، اللهم إلا في العقائد، فإنهم يرون أن من خالفهم فيها فهو ضال، أما في المسائل العملية فإنهم يخففون فيها كثيراً.

لكن بعض من انتهج السلفية في عصرنا هذا صار يضلل كل من خالفه ولو كان الحق معه، واتخذها بعضهم منهجا حزبيا كمنهج الأحزاب الأخرى التي تنتسب إلى دين الإسلام، وهذا هو الذي ينكر ولا يمكن إقراره).

وسئل أستاذي معالي الشيخ صالح الفوزان في إحدى دروسه: هل من تسمى بالسلفية يعتبر حزبيا؟ فأجاب بقوله: (التسمي بالسلفية إذا كان حقيقة لا بأس به، أما إذا كان مجرد دعوى، فإنه لا يجوز له أن يتسمى بالسلفية وهو على غير منهج السلف).

إذن فالمسلم يعتز باسم الإسلام الذي شرفه الله به، وإذا احتيج للتوضيح قال: نحن مسلمون على منهج السلف الصالح.

فهو مسلم بالاسم، سلفي بالمنهج.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: (اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة) أخرجه أبو خيثمة في كتاب العلم بإسناد صحيح.

والحاصل: أن الاسم الشرعي الأصيل هو المسلمون، والتسمية بالسلفيين جاءت لتمييز أهل الحق من أهل البدع، فالسلفية ليست حزبا، بل هي منهج عملي لفهم الكتاب والسنة، والمسلم الحق يفتخر بأنه مسلم، ويوضح أنه على منهج السلف إذا ظهر الالتباس.

فاياك يا أخي أن تفرق الأمة بالأحزاب والولاءات، فالإسلام واحد، والحق واحد، والصراط واحد.

كن مسلما، وازدد شرفا بأن تكون على منهج السلف الذين زكاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (خير الناس قرني).

ولا يعني ذلك بحال أن يمنع العالم الراسخ من الاجتهاد في النوازل والقضايا المعاصرة، أو أن يحجر على الأمة خوض غمار الاختراعات والتقدم الحضاري، فالإسلام دين صالح لكل زمان ومكان. وإنما المقصود أن أي التزام شرعي أو منهج عملي إن لم يوافق ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، فلا بد أن يشوبه دخن أو انحراف، لأن الحق كل الحق فيما جاءوا به، وما عداه فإما باطل محض، أو حق مشوب بباطل.

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام