الخميس 3 شعبان 1447 هـ || الموافق 22 يناير 2026 م


قائمة الأقسام   ||    لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن    ||    عدد المشاهدات: 158

لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(47)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني 

الحلقة السابعة والأربعون: الحوثي والزوامل: من نغمة القبيلة إلى نشيد الحرب


كان الزامل يوما ما لحن الأرض اليمنية، يخرج من صدور الرجال كنسمة تروي الصلح بعد الخصام، وتعلن الفخر في المحافل والمناسبات. 
هو فن شعبي ضارب في عمق التاريخ اليمني، ينشده الرجال في المواقف الحربية والاجتماعية، ويضبط بإيقاع فريد من نوعه، تعرفه القبائل وتورثه الأجيال كما تورث الشيم والمروءة. 
لم يكن الزامل يوما سلاحا في يد أحد، بل كان جسرا للسلام، وصوتا يجمع ولا يفرّق، يطفئ نار الثأر، ويثبّت القيم الأصيلة في النفوس.

غير أن هذا الفن العريق لم يسلم من يد السياسة حين تمتد إلى التراث لتلونه بلون الدم. 

ومع اشتعال الصراع في اليمن، وجدت جماعة الحوثي في الزامل وسيلة جديدة للتعبئة والدعاية، فبدلت رسالته القديمة بأخرى جديدة، وجعلت منه منبرا طائفيا يروج لفكرها ومشروعها. 
تحول الزامل من صوت ينشد في الأعراس والصلح، إلى نشيد يطلق في المعسكرات وجبهات القتال.

صارت الكلمات التي كانت تمجد الكرم والشجاعة تعيد صياغة مفاهيم الولاء والطاعة، وصار الصوت الذي يداعب الوجدان يستثير الغضب ويحشد للمعارك. 

وما اكثر الزوامل التي تبث على القنوات التابعة للجماعة كرمز للولاء والبيعة، تدغد مشاعر البسطاء البائسين، ليكونوا وقودا للحرب في سبيل بقاء الحوثي متربعا على بحر من الدماء.

بهذا التحول، أصيب التراث الشعبي في مقتل؛ فبينما كان الزامل ينشد لتعزيز التآخي بين القبائل، غدا اليوم يستخدم للتحريض والدعوة إلى القتال. 

لقد اختطف من سياقه الطبيعي، وتحول إلى وسيلة لبث الكراهية وتزيين الموت. وبدل أن يكون رمزا للوحدة، صار رمزا للانقسام، في مشهد مؤلم يجسد كيف تمسخ الفنون حين تسخر لخدمة السياسة.

وفي ظل سلطة الحوثيين، لم يعد النشيد الشعبي كما كان؛ فالمناسبات والأعراس والاحتفالات الرسمية أُفرغت من أنغامها البريئة، وحلت محلها الزوامل المحملة بروح العنف والمواجهة. 
حتى الذوق العام تبدل، وصار الناس يسمعون الإيقاع العسكري أكثر مما يسمعون إيقاعات الفرح.

ولم يتوقف الأمر عند الساحات والاحتفالات، بل امتد إلى وسائل الإعلام الحوثية، وعلى رأسها قناة المسيرة، التي تبث الزوامل كجزء من خطابها التعبوي، تملأ بها الفواصل والبرامج، لتغرس في الأذهان أن الحرب هي النشيد، وأن القتال هو المعنى.

أما في جبهات القتال، فقد صار الزامل قرين البندقية، يعزف قبل المعركة، ويتلى بعد القتل، وكأنّه تعويذة تنقش على صدور المقاتلين لتشدهم إلى الميدان. 
هناك، بين صدى المدافع، يرفع الصوت الشعبي القديم، لكنّه لم يعد ينشد للبطولة بمعناها الحقيقي، بل للدم بمعناه السياسي.

وفي مواجهة الحرب الشعبية، استخدمت الجماعة الزوامل كسلاح ناعم يغسل به الوعي، فصنعت زوامل تمجد الجماعة وتسفه خصومها، تعيد تشكيل الانتماء القبلي في قالب يخدم مشروعها. 

لقد صار الشعر الشعبي ميدانا آخر للصراع، لا يقل خطورة عن ساحات الحرب نفسها.

وهكذا انتهى الزامل الذي كان يؤتى به في الصلح والمودة إلى أن يؤتى به في الموت والفرقة. 

لقد تحول من رمز للتراث إلى شعار للدم، ومن وسيلة لحفظ الهوية إلى وسيلة لتشويهها.

ويبقى السؤال الملح:
هل يمكن أن تعود الألحان إلى نقائها الأول؟
هل يمكن أن ينشد الزامل مرة أخرى للحياة لا للموت، للأرض لا للفصيل، للإنسان لا للسلاح؟

ذلك ما ستجيب عنه الأيام، حين تطفأ المدافع، ويعود اليمنيون إلى زاملهم الأول، الزامل الذي يصلح ولا يقتل، ويجمع ولا يفرق.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام