الخميس 3 شعبان 1447 هـ || الموافق 22 يناير 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مواعظ من القلب    ||    عدد المشاهدات: 134

من الولادة إلى الجنة أو النار

ضمن سلسلة مواعظ من القلب(57)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


 يولد المولود باكيا، والناس حوله يضحكون، ثم يمضي عمره بين أمل وألم، بين ضحكة عابرة ودمعة باقية، حتى يطويه التراب لا يسمع فيه إلا صدى عمله.

يخرج من بطن أمه عاريا ضعيفا، لا يملك من أمره شيئا، كما قال الله تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون).

يمشي في دروب الدنيا متقلبا بين غفلة ويقظة، وبين طاعة ومعصية، وبين رجاء وخوف، لا يدري أي الطريقين يكتب له في النهاية. 

يذكر بالآيات فلا يتذكر، ويعرض عليه الحق فيؤجل، حتى كأنما خلق للغفلة، وقد قال الله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون).

يمضي العمر، والساعات تطوى كما تطوى الصفحات، والأيام تفر كالماء بين الأصابع. 

من تأمل طفولته أدرك كم كان ضعيفا، ومن نظر إلى شيبته علم كم صار قريبا من الرحيل، (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة).

كل مرحلة من عمره شاهدة عليه: شبابه يشهد بما أضاعه أو استثمره، وهرمه يذكره بما فرط فيه، وصحته تسأل يوم القيامة قبل أن تنقضي.

قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه).

ومع ذلك، يعيش كثير من الناس كأنهم خالدون، ينامون على أمل لا يعلمون هل يدركونه، ويستيقظون على غفلة لا يعرفون متى تنقضي، قال تعالى: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون).

يشيخ الجسد، وتخور القوى، وتبهت الملامح، ويظل القلب متعلقا بالدنيا، وكأنها دار البقاء، مع أن الله قال: (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).

ثم تأتي اللحظة التي لا يخطئها أحد: الموت.
تغيب العين، وتبقى الحقيقة، تتجلى في مشهد مهيب وصفه النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند أبي داود وغيره فقال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة... إلى قوله: حتى تخرج روحه فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء... وأما الكافر أو الفاجر، فينزل إليه ملائكة سود الوجوه معهم المسوح من النار، حتى إذا انتزعت روحه، قيل: يا أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب...).

في تلك اللحظة يطوى العمل، وتبدأ الحسابات.
لا مال، ولا جاه، ولا قبيلة، إنما العمل وحده يرافق صاحبه.

ثم يدفن الجسد، وينسى الاسم، ويقال: أين فلان؟
فيقال: مات، كان معنا بالأمس!
ويبقى في القبر وحده، يسمع قرع نعالهم وهم يرحلون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (إنه ليسمع قرع نعالهم إذا ولوا عنه، فإن كان مؤمنا فسح له في قبره، ونور له فيه...).

ويأتيه الملكان فيسألانه عن عمر مضى: (من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟)
فمن عاش لله أجاب بلسان ثابت، ومن عاش للدنيا تلعثم لا يجد جوابا.
قال الله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة).
ثم يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا، كما بدأوا أول مرة، قال تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه: (تحشرون حفاة عراة غرلا).

تعرض الصحف، وتنصب الموازين، وتشرق الشمس من فوق الرؤوس قدر ميل [وهي شمس غير شمسنا التي تكور]، ويجثو الناس خاشعين: (وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها).

ثم يفصل بين الخلق، فمنهم من يساق إلى الجنة برحمة الله، ومنهم من يسحب إلى النار بعدل الله.
أما المؤمنون، فينادون: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون).
وأما الآخرون، فيقال لهم: (اخسئوا فيها ولا تكلمون).

هكذا تبدأ القصة وتنتهي، من ولادة بصرخة أولى إلى موت بصمت أخير، وبينهما طريق واحد لمن وعى قوله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا).

رحلة قصيرة، لكنها تحدد الخلود: (فريق في الجنة وفريق في السعير).

فيا من تقرأ كلماتي، تذكر:
ما بين ولادتك وموتك، كل نفس هو خطوة نحو دار القرار، فاختر الآن: إلى أين تسير؟




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام