الخميس 8 صفر 1448 هـ || الموافق 23 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 9

كيف تكون وليا لله؟

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


ليس أعظم من أن يحبك الله.

وليس أشرف من أن تكون من أوليائه.

فالناس يتنافسون في ولاية أصحاب الجاه، ويتقربون إلى أصحاب السلطان، ويفرحون بالقرب من العظماء، فكيف إذا كان وليك هو رب السماوات والأرض، ملك الملوك، وخالق الخلق، ومدبر الأمر كله؟

إنها منزلة لو عرف الناس حقيقتها لبذلوا أعمارهم كلها في سبيل الوصول إليها.

قال الله تعالى:
﴿أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٦٢ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝٦٣ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِى الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَفِى الْـَٔاخِرَةِۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ اللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ۝٦٤﴾

تأمل، لم يقل: أولياء الله هم أصحاب الكرامات، ولا أصحاب الشهرة، ولا أصحاب الأنساب، ولا أصحاب الأموال، وإنما قال:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝٦٣﴾.

فكل مؤمن صادق، وكل تقي مستقيم، فهو من أولياء الله، وإن كان فقيرًا لا يعرفه أحد، أو عاملاً بسيطًا، أو امرأة صالحة، أو شيخًا كبيرًا، أو شابًا يجاهد نفسه في زمن الفتن.

إن الولاية ليست ثوبًا يلبس، ولا لقبًا يقال، ولا دعوى يتشدق بها الناس، وإنما هي إيمان يملأ القلب، وتقوى تظهر على الجوارح.

ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله: ادعى قوم محبة الله، فابتلاهم الله بهذه الآية:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣١﴾.

فالولاية لا تنال بالأماني، وإنما تنال باتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي مفردات صحيح البخاري، فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل أنه قال:
(من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).

هذا الحديث يرسم الطريق كاملاً.

أوله: الفرائض.

فلا ولاية مع تضييع الصلاة، ولا ولاية مع عقوق الوالدين، ولا ولاية مع أكل الربا، ولا ولاية مع الظلم والخيانة والغش وإطلاق البصر في الحرام.

ثم تأتي النوافل: قيام الليل، وصيام التطوع، وتلاوة القرآن، والذكر، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان إلى الناس حتى يبلغ العبد منزلة يحبها الله.

وإذا أحبك الله، فمن يستطيع أن يضرك؟

وإذا كان الله معك، فمن عليك؟

وإذا حفظك الله، فمن يستطيع أن يصل إليك إلا بما كتب الله؟

قال تعالى:
﴿إِنَّ وَلِىِّۦَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَـٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّـٰلِحِينَ ۝١٩٦﴾

ومن أعظم علامات الولاية أن ترى نفسك كل يوم أقرب إلى الله من الأمس.

تفرح بالطاعة، وتحزن على المعصية.

وتبكي إذا فاتك وردك، وتستوحش من الذنب.

وتأنس بالخلوة مع الله. وتزداد تواضعًا كلما ازددت علمًا.

وتزداد خوفًا كلما ازددت عملًا.

أما الذي يظن نفسه وليًا لله وهو مصر على الكبائر، مضيع للفرائض، متبع لهواه، فذلك قد خدعته نفسه.

إن أولياء الله ليسوا معصومين، ولكنهم إذا أذنبوا تابوا، وإذا قصروا استغفروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أنعم الله عليهم شكروا.

قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ۝٢٠١﴾.

ولذلك كان أعظم أولياء الله هم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، وكلما ازداد العبد إيمانًا وتقوى، ازداد من ولاية الله بقدر ذلك.

ولا تظن أن الولاية مقام بعيد لا يبلغه إلا القليل.

بل بابها مفتوح لكل مسلم، يفتحه سجود صادق، ودمعة في جوف الليل ودعوة خفية، وصدقة لا يعلم بها إلا الله.

وكلمة طيبة، وعفو عند المقدرة.

وترك معصية لا يراك فيها إلا الله.

ورب رجل لا يعرفه الناس، لو أقسم على الله لأبره.

ورب امرأة يراها الناس ضعيفة مسكينة، وهي عند الله من خير أوليائه.

فلا تبحث عن أن يعرفك الناس بل ابحث أن يعرفك الله في أهل طاعته.

ولا تطلب المنزلة في قلوب الخلق، بل اطلب المنزلة عند الخالق.

فإن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: (إن الله يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) [هكذا في الصحيحين،  واللفظ لمسلم].

فيا لها من كرامة!

أن يذكرك الله في السماء، وأنت ساجد في زاوية من الأرض لا يعلم بك أحد.

اللهم اجعلنا من أوليائك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، واجعلنا من أهل الإيمان والتقوى، وأكرمنا بمحبتك، ولا تحرمنا لذة القرب منك، إنك أنت الولي الحميد.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام