الأحد 18 صفر 1448 هـ || الموافق 2 غشت 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 16

هل في الأمة علماء يفوقون في العلم والزهد من نعرفهم من العلماء المعاصرين؟

أجاب على السؤال الدكتور صادق بن محمد البيضاني


س 740: هل في الأمة علماء يفوقون في العلم والزهد من نعرفهم من العلماء المعاصرين؟

ج 740: هذا من الأسئلة التي تتكرر في مجالس العلم، ومنذ ثمان سنوات وهذا السؤال يتردد علي، وقد صادفت منذ سنوات نقاشا دار بيني وبين بعض المشايخ من اليمن والشام ونجد والحجاز وبعض البلدان الأخرى، لكون هؤلاء الفضلاء يخالفوني، ويقولون: لو أمكن وجودهم بين أظهرنا لظهروا وصاروا قبلة يقتدى بهم، وكنت أجيبهم على خلاف ما يظنون في هذا الباب بعلم وحلم وأدب جم، اعترافا بفضلهم وباعهم في العلم والدعوة، فمن لا يعرف قدر غيره لا قدر له.

 وللجواب على هذا السؤال نحتاج إلى قدر من الإنصاف والتجرد لله رب العالمين:

فأقول: هل العلماء الذين نعرفهم اليوم، ونسمع دروسهم ونقرأ كتبهم ونشاهد آثارهم، هم نهاية طبقات العلم والزهد في عصرنا؟ أم يمكن أن يكون في الأمة علماء أجلاء، أوسع علما، وأعمق فقها، وأشد ورعا وزهدا، لكنهم لم يشتهروا، ولم تتناقل وسائل الإعلام أسماءهم، ولم يسعوا إلى الظهور؟

الجواب الذي يقتضيه النظر الصحيح: نعم، يمكن، بل إن استبعاد ذلك لا يصح من جهة العقل ولا من جهة الشرع ولا من جهة الواقع.

فشهرة العالم شيء، وعلو مرتبته في العلم شيء آخر؛ وكثرة من يعرفه الناس بها شيء، وحقيقة قدره عند أهل الاختصاص شيء آخر. وقد يكون الإنسان مشهورا لأن له حضورا إعلاميا، أو لكثرة كتبه، أو لكثرة تلاميذه، أو لطبيعة عصره، وقد يكون آخر من أعلم أهل زمانه وأورعهم، ولكنه آثر الخمول، ولم يطلب التصدر، ولم يكثر من الظهور، يعرفه خواص من لهم بصلة به.

ومن هنا ينبغي أن نفرق بين العالم المعروف والعالم الذي بلغ رتبة عالية في العلم؛ فليس كل معروف أعلم، وليس كل مجهول الحال عند بعض العلماء والعامة قليل العلم.

لأن العلم أوسع من دائرة الشهرة.

من أكبر الأخطاء المنهجية أن يظن المرء أن دائرة علمه هي دائرة الوجود كله.

فقد يعرف الإنسان عشرة من العلماء، ثم يتصور أن هؤلاء هم أعلم أهل عصره؛ لأنه لم يلتق بغيرهم.

وهذا استدلال غير صحيح؛ إذ أقصى ما يثبته أنه لا يعرف غيرهم.

والفرق بين قولنا: (لا أعرف عالما يفوق فلانا) وبين قولنا: (لا يوجد عالم يفوق فلانا).

فرق هائل كبير.

الأول خبر عن حدود معرفة القائل، والثاني حكم على واقع واسع لا يحيط به القائل.

ولهذا كان من الخطأ أن يحوّل الإنسان جهله بشخص إلى حكم على ذلك الشخص، وهذا عين ما آلمني من بعض المشايخ الذي خاضوا معي في هذه المسألة بعينها حتى رديت عليهم بفتاوى صوتية واشعار أدبية منذ ثمان سنوات إلى عهد قريب، فيقول: (لو كان عالما كبيرا لعرفناه).

سبحان الله يا شيخ: هذه كلمة ظاهرها الاستدلال وباطنها المصادرة؛ إذ تجعل الشهرة دليلا على العلم، مع أن الشهرة نفسها تحتاج إلى تفسير.

بل إن من تأمل تاريخ العلم الإسلامي وجد أن معرفة العلماء لم تكن متساوية بين الناس، وأن العالم قد يكون إماما في بلده أو فنه، معروفا عند أهل الاختصاص، ثم لا يكون له حضور واسع عند عامة الناس، أو عند علماء آكابر.

والأصل القرآني في هذا الباب عظيم:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

فالمعتبر هو أهل الذكر، لا من اشتهر اسمه.

وقد يكون خفاء العبد عن أعين الناس أحيانا سترا جميلا من الله عليه؛ يحفظ به قلبه من آفات الشهرة، ويصون إخلاصه من طلب المنزلة، ويتركه بينه وبين ربه، لا يعرف قدره إلا من عرفه حقا، ولا يرفع ذكره إلا من رفعه الله.

ثم لو افترضنا أن فلانا ممن ينتسب إلى العلم لم يطمئن إلى تزكية ذلك الشيخ الخبير، فليس مقتضى الإنصاف أن يبادر إلى الإنكار بحجة أنه لم يعرف الرجل، بل كان الأجدر به والأليق بأدب العلم أن يطلب لقاءه ومجالسته، وأن يقعد إليه قعدة الباحث المتثبت، فيناقشه ويتفحص علمه، ويقف على حقيقة منزلته؛ فإن ظهر له ما يوافق شهادة من زكاه، علم أن جهله به لم يكن حجة عليه، وإن وجد خلاف ذلك، كان إنكاره يومئذ قائما على علم وبينة، لا على الجهل والتسرع.

والأخطر من ذلك أن يبخس هذا العالم المتبحر حقه، ويجحد فضله، ويدعي عدم معرفته به، مع كونه قد عرف علمه، ووقف على تبحره، وخبر منزلته؛ فإن كان بينهما خلاف سابق أو مواقف أورثت في النفس شيئا، فذلك أدعى إلى مجاهدة النفس والتحرز من أن يحمل الخصام على الجور في الحكم أو الانتقاص من قدر أهل العلم.

فليس من العدل أن تتحول الخصومة إلى جحود للفضل، ولا أن يكون الاختلاف سببا في طمس المحاسن وإنكار ما ثبت من العلم.

وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.

والعدل مع المخالف ليس فضلا زائدا، بل هو من مقتضى التقوى؛ قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. ومن تمام العدل أن تعرف للرجل فضله وإن خالفته، وأن تشهد له بما علمت من علمه وإن لم توافقه في آرائه، وأن لا تحملك الخصومة على أن تقول في العالم ما ليس فيه، أو أن تنكر من فضله ما أنت به عالم.

ليس معنى هذا: أن كل من لم يشتهر أفضل من كل مشهور؛ فهذا قلب للميزان، كما أن القول بأن كل مشهور أفضل من كل مغمور خطأ.

وإنما المقصود أن الشهرة لا تصلح وحدها معيارا للتفاضل العلمي أو الإيماني.

وقد يكون في الناس من بلغ من العلم مبلغا عظيما، ولكنه لا يحب أن يشار إليه بالبنان، ولا أن تتعلق القلوب بشخصه، ولا أن يتحول العلم الذي يحمله إلى وسيلة للظهور.

وهذا المعنى له أصل عظيم في سير السلف؛ فقد كان فيهم من يكره الشهرة، ويخاف من التصدر، ويعد نفسه أقل من أن يتكلم في مسائل العلم مع وجود من هو أعلم منه.

والزهد الحقيقي لا يعني ترك العلم، وإنما قد يكون من الزهد أن يزهد العالم في حظوظ النفس من العلم: في الشهرة، والمدح، والتصدر، وكثرة الأتباع، وأن يريد بالعلم وجه الله.

ومن هنا لا يجوز أن يكون عدم الظهور قرينة على ضعف العالم.

كما لا يجوز أن يكون الظهور قرينة على علو مرتبته.

وهنا تأتي الشهادة التي لا ينبغي إهدارها

إذا قال لنا رجل عالم، معروف بالعلم والورع والتحقيق، ممن عاشر العلماء وجالسهم واختبر مداركهم:
(لقيت عالما لم نكن نعرفه، فلما ناقشته وجدته بحرا في العلم).

أو قال: (رأيت عالما لم أر مثله).

أو قال: (ناقشته في مسائل متعددة، فوجدت العلم يجري على لسانه).

أو قال: (هو من أئمة الفنون الذين لا يكاد يوجد لهم نظير في هذا الباب).

فليس من المنهج العلمي أن نرد كلام المخبر (الشاهد على ذلكم الإمام المتبحر) بحجة أننا لم نسمع باسم ذلك العالم.

بل ينبغي أن نقول: هو علم شيئا لم أعلمه، وشهد بشيء عاينه ولم أعانه، فخبره في هذا الباب مقدم على جهلي به، ما دام المخبر شيخا فاضلا ثقة، عارفا بالمجال الذي يتحدث فيه، ولا توجد قرينة معتبرة ترد شهادته.

وهنا تظهر قاعدة عظيمة في أبواب العلم، وهي أن علم من علم ليس كجهل من لم يعلم.

فلو قال رجل: (لا أعرف هذا العالم)، وقال عالم خبير: (بل أعرفه، وجالسته، وناقشته، واختبرته، وهو من أئمة العلم)، فلا يصح أن يجعل الأول عدم معرفته معارضا للثاني في أصل معرفة الرجل.

إن الأول يقول: لم أعلم.

والثاني يقول: علمت.

والجهل ليس حجة على العلم.

لكن ينبغي التنبيه إلى دقة مهمة: لا يصح أن نجعل عبارة (من علم حجة على من لم يعلم) قاعدة مطلقة في كل شيء، بحيث يكون دعوى العلم كافيا لإثبات كل حكم. وإنما المقصود أن العلم المبني على المعرفة والمشاهدة والخبرة أقوى من عدم العلم، مع بقاء سائر قواعد الإثبات والنقد معتبرة.

الحديث النبوي الصحيح يقول: (ليس الخبر كالمعاينة).

وهنا تأتي العبارة النبوية البليغة:

تأملوا معي قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (ليس الخبر كالمعاينة).

وقد ورد هذا الحديث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه الإمام أحمد، والبزار، وابن حبان، وغيرهم.

وهو أصل نفيس في التفريق بين من نقل إليه الخبر وبين من باشر الأمر وعرفه عن مشاهدة وخبرة.

فالذي يقول: (سمعت أن فلانا عالم)، ليس كمن يقول: (جلست إليه سنوات، وناقشته في أبواب العلم، واختبرت حفظه وفهمه واستحضاره، ورأيت تمكنه).

والذي يقول: (بلغني أن فلانا من أزهد الناس)، ليس كمن عاشره، ورأى عبادته في خلوته، ووقف على حاله في المال، والشهوة، والمدح، والفتن، والسلطة.

والذي يقول: (يقال إن فلانا إمام في الحديث)

ليس كالإمام الناقد الذي قرأ كتبه، وتتبع طرقه، وناقشه في الرجال والعلل، وعرف قدرته في هذا الفن.

فالخبر له قيمة، ولكن المعاينة تضيف إلى الخبر درجة من المعرفة لا يملكها من لم يعاين.

ولهذا قال الله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.

فليس طلب المعاينة دائما ناشئا عن الشك في أصل الخبر، وإنما قد يكون طلبا لمزيد من الطمأنينة واليقين.

ولهذا كان أهل الحديث أشد الناس عناية بمعرفة الرجال.

إذا أردنا أن نفهم هذه القضية فهما علميا دقيقا، فإن علم الحديث يقدم لنا نموذجا بديعا.

فالمحدثون لم يكتفوا بأن يسمعوا: (فلان ثقة)، بل كانوا يسألون: من عرفه؟، ومن لقيه؟، ومن اختبر حديثه؟، ومن عاشره؟، ومن عرف ضبطه؟، ومن عرف كتابه؟، ومن وقف على أوهامه؟، ومن عرف حاله في السر والعلن؟، ومن ثم فإن قول الإمام الذي خبر الرجل وعرف حديثه ليس كقول من لم يلقه ولم يختبره.

وهذا هو معنى مهم من معاني التثبت في علم الرجال: أن المعرفة درجات، وأن شهادة العارف ليست كقول الجاهل، وأن الحكم ينبغي أن يبنى على قدر المعرفة.

بل قد يكون الناقد الذي عاشر الرجل أعلم بحاله من عشرات ممن لم يروه إلا في الكتب.

لكن ذلك كله لا يعني العصمة؛ فالعالم قد يخطئ في التقييم، وقد تتفاوت أنظار النقاد، وقد يكون بعضهم أعرف ببعض الجوانب من بعض.

ولهذا كان أهل الحديث يجمعون الطرق والشهادات، وينظرون في القرائن، ويوازنون بين الأقوال.

ومن هنا نفهم السؤال: هل يمكن أن يكون في عصرنا من هو أعلم من المشهورين؟

الجواب: نعم، من حيث الإمكان والواقع لا مانع من ذلك، بل لا ينبغي أن نستبعده.

لكن لا يجوز أن نقفز من هذا الإمكان إلى تعيين أشخاص بلا بينة.

فلا نقول: (فلان المغمور أعلم من جميع علماء عصره) لأن شخصا أثنى عليه.

كما لا نقول: (فلان المشهور أعلم أهل زمانه) لكثرة ظهوره.

بل نسأل: من شهد له؟ وهل الشاهد من أهل المعرفة؟، وهل جالسه واختبره؟ وفي أي علم شهد له؟

وهل شهد له بالعلم العام أم بفن معين؟، وهل شهادته مبنية على معرفة حقيقية أم على انطباع عابر؟، وهل توجد شهادات أخرى تؤيدها أو تخالفها؟

وهكذا يتحول الأمر من العاطفة إلى التحقيق.

وقد يكون العالم عظيما في فن دون غيره، وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فقد يكون الرجل إماما في الحديث، وليس إماما في الفقه، وقد يكون من كبار المفسرين، ولا يكون من أئمة العلل، وقد يكون فقيها بارعا، ولا يكون من كبار المؤرخين، وقد يكون عالما باللغة لا يدانيه كثيرون فيها، مع أنه ليس من أئمة الحديث.

ولهذا ينبغي أن تكون الشهادة محددة، ما لم يكن عالما متبحرا في العلوم.

فإذا قال عالم ناقد: (ما رأيت في علل الحديث مثل فلان).

فهذا لا يلزم منه أنه يقول: (ما رأيت أعلم منه في جميع علوم الشريعة).

وإذا قال فقيه: (لم أر مثله في الفقه).

فليس معنى ذلك أنه أعلم الناس بالتفسير والحديث واللغة والتاريخ.

وهنا تظهر دقة أهل العلم في عباراتهم؛ فالعلم بحر واسع، والتفوق فيه قد يكون نوعيا لا مطلقا، وقد يكون مطلقا لا نسبيا.

وكذلك الزهد لا يثبت بالشهرة فحسب.

لذلك أقول: العلم يمكن أن تظهر بعض آثاره في الكتب والمناظرات والتدريس، أما الزهد والورع فدائرتهما أعمق؛ لأن كثيرا منهما متعلق بما بين العبد وربه.

قد يعرف الناس علم الإنسان، لكنهم لا يعرفون مقدار إخلاصه.

وقد يرون كثرة عبادته، لكنهم لا يعلمون حقيقة قلبه.

وقد يشاهدون زهده في الدنيا في العلن، ولا يعرفون ما يقع في الخلوة.

ولهذا ينبغي أن نكون أشد احتياطا في عبارات التفضيل في الزهد والتقوى.

نقول: (نحسبه من أهل الصلاح)، أو تقول (ظهر لنا من حاله كذا)، أو (شهد له بالزهد والورع فلان العالم الذي عاشره).

ولا نتجاوز ذلك إلى الجزم بسرائر القلوب.

فالتواضع في هذا الباب من العلم، والتحرز في وصف الناس من الورع.

الشهرة ليست دليلا، والخفاء ليس دليلا أيضا.

وهنا ينبغي أن نضع قاعدة جامعة:

لا الشهرة دليل على الإمامة، ولا الخفاء دليل على الإمامة.

فكما أن بعض الناس يخطئون حين يقولون:

(لو كان عالما كبيرا لعرفه الناس)، أيضا يخطئ آخرون حين يقولون:

(كل عالم غير مشهور أفضل من المشاهير؛ لأن المشاهير يحبون الدنيا).

وهذا أيضا تعميم باطل.

قد يكون العالم مشهورا وهو مخلص زاهد، وقد يكون المغمور قليل العلم، وقد يكون المشهور مقصرا، وقد يكون المغمور في غاية الرسوخ.

المعيار هو العلم والتقوى والقرائن والشهادة المعتبرة، لا الشهرة ولا ضدها.

ومن هنا فإن أقوى جواب للسائل

إذا سأل شخص: (هل يمكن أن يوجد في زماننا علماء أعلم وأزهد من بعض من نعرف؟)

فلا ينبغي أن يكون الجواب: لا؛ لأنهم لو كانوا موجودين لسمعنا بهم.

كما لا ينبغي أن يكون: نعم، بل يوجد بالتأكيد فلان وفلان وهم أعلم من جميع المشاهير.

والجواب العلمي المتزن:

نعم، يمكن أن يوجد في الأمة من هو أعلم وأزهد ممن اشتهر عندنا، ولا يحق لنا نفي ذلك بحجة عدم معرفتنا به؛ لأن علمنا بأهل العلم محدود، والناس متفاوتون في معرفة العلماء. فإذا شهد عالم ثقة خبير بأنه لقي عالما مستورا، وخبر علمه وعبادته، ووصفه بأوصاف عظيمة، فإن شهادته معتبرة في الجملة، ولا يجوز ردها بحجة جهلنا بالمشهود له.

 لكن لا يلزم من شهادة الواحد أن نقطع بأنه أعلم الناس مطلقا؛ بل ننظر في مدى معرفته، ومجال شهادته، وقرائنها، وما يؤيدها أو يعارضها، وهذا هو الإنصاف.

إن أخطر ما يفعله الإنسان أن يجعل نفسه معيارا للوجود.

من أعجب صور الغرور المعرفي أن يقول المرء: (أنا لا أعرفه، إذن ليس من العلماء).

وكأن العالم لا يوجد إلا في حدود ما وصل إليه علمه!

ولو طبقنا هذه القاعدة على تاريخ الأمة لأسقطنا أئمة كبارا لم يعرفهم كثير من الناس في عصرهم، ولجعلنا جهل بعض المشايخ والعامة بمقام العالم دليلا على عدم مقامه.

والحقيقة أن حدود معرفتنا ليست حدود الواقع.

كم من كتاب لم نقرأه؟ وكم من بلد لم نزره؟، وكم من عالم لم نلقه؟، وكم من فن لا نعرف أصوله؟

وكم من مجلس علم لم نحضره؟

فكيف يجوز بعد ذلك أن نحكم على الأمة كلها من نافذة تجربتنا المحدودة؟

قال تعالى:
﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

فكلما اتسع علم الإنسان، اتسعت معه معرفته بجهله.

والعالم الذي يشهد لغيره إنما يؤدي أمانة.

وإذا كان العالم الذي يزكي غيره من أهل المعرفة والورع، فإنه لا ينبغي أن يستخف بشهادته.

فقد يكون الرجل قد رأى ما لم نر، وسمع ما لم نسمع، وناقش الرجل في مسائل لم نناقشه فيها، وعرف دقائق لا تظهر لمن يراه في محاضرة أو يسمع له كلمة.

فإذا قال: (ناقشته فوجدته إماما)، فهذا خبر له وزن.

وإذا قال: (جلسته سنوات فلم أر مثله).

فهذه شهادة لها قيمتها.

لكن من تمام الأمانة ألا نضيف إلى كلامه ما لم يقله.

فإذا قال: (لم أر مثله في الحديث)، لا نحوله إلى:

(هو أعلم الناس في جميع العلوم)، وإذا قال: (هو من أزهد من عرفت)، لا نجعله: (أزهد أهل الأرض).

فالدقة في نقل الشهادة جزء من الأمانة العلمية.

وفي المقابل: لا بد من الحذر من المبالغات

ليس كل ثناء حجة، وليس كل مادح خبيرا.

قد يعجب الإنسان بعالم بسبب محاضرة واحدة، فيقول: (ما رأيت مثله).

وقد يقولها من شدة التأثر لا من باب التقييم العلمي.

وقد يمدح تلميذ شيخه محبة له، ولا يكون مؤهلا للمقارنة بين العلماء.

وقد يمدح شخصا في جانب وهو يظن أن ذلك يشمل سائر العلوم.

ولهذا فإن الشهادة تزداد قوة بقدر علم الشاهد بما يشهد فيه، فشهادة المحدث في الحديث ليست كشهادة غير المتخصص، وشهادة الفقيه في الفقه ليست كشهادة من لم يمارس الفقه، وشهادة من عاشر العالم سنين ليست كشهادة من قابله ساعة أو لم يعرفه أصلا.

وهذه هي الدقة التي تجعل البحث في أحوال العلماء علما، لا انطباعات.

والحاصل حتى لا أطيل، وأراني قد أطلت لأعطي المسألة شيئا من حقها:

يمكن أن يكون في عصرنا علماء أجلاء، في العلم أو الزهد أو الورع، يفوقون بعض أو كل من اشتهرت أسماؤهم، ولا نعرفهم نحن.

وليس هذا غريبا؛ لأن الشهرة ليست ميزانا شرعيا للعلم، وعدم الشهرة ليس دليلا على عدم العلم.

لكن لا يجوز أيضا أن نجعل هذه الفكرة بابا للدعاوى العريضة، فنرفع كل مجهول إلى رتبة الإمامة بحجة الثناء عليه.

والميزان العادل هو:

علم ثابت، وخبرة حقيقية، وشهادة أهل الاختصاص، وقرائن معتبرة، وتحر في النقل، وتواضع في الحكم.

ومن علم شخصا وخبره، فخبره في أصل معرفته به أقوى من خبر من لم يعرفه؛ للحديث الصحيح السابق الذكر:
(ليس الخبر كالمعاينة).

لكن المعاينة نفسها لا تعني العصمة، كما أن الشهادة لا تعني الإطلاق؛ وإنما تعطي كل شهادة قدرها بحسب علم الشاهد، وخبرته، وموضوع شهادته، وقرائنها.

وهكذا يكون المسلم بين طرفين:

لا يمجد الشهرة، ولا يقدس الخفاء.

لا يقول: (كل مشهور إمام).

ولا يقول: (كل مغمور أعلم من المشاهير).

بل يقول:

ربما كان في الأمة من لا نعرفه أعلم ممن نعرف، وربما كان فيها من لا نعرفه أزهد ممن نعرف، والله أعلم بعباده؛ فإذا شهد بذلك من هو أهل للشهادة، وجب أن نحترم علمه وخبرته، وأن لا نجعل جهلنا حجة على علمه.

وما أجمل أن يتعلم طالب العلم هذه الخلق قبل أن يتعلم كثرة المسائل:

أن يعرف قدر ما يعلم، وقدر ما لا يعلم.

فرب عالم مغمور عند العامة وبعض المشايخ، معروف عند أهل العلم.

ورب عالم مشهور في الناس، ليس من أئمة العلم.

ورب رجل لا يكاد يعرفه أحد، ولكنه عند الله أعظم قدرا مما تتصور الألسن والأعين.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في أفراد صحيح مسلم في وصف طائفة من عباد الله:
(رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره).

فالموازين الإلهية أوسع من الموازين البشرية، ومراتب الناس عند الله لا تحددها الأضواء، ولا المنابر، ولا عدد المتابعين، ولا كثرة الذكر في المجالس، ولا قربهم من ولاة الأمر، او مناصب الفتوى.

إنما يرفع الله من شاء بالعلم والتقوى، وقد يحجب بعض أوليائه عن أعين الناس رحمة به، وقد يرفع آخرين بالعلم الذي نفع الله به عباده، والله أعلم بمن اتقى.

ولهذا فالموقف الأجمل لطالب العلم أن يقول:

اللهم عرفني قدر العلماء، ولا تجعل جهلي بمن لم أعرف سببا في بخسه، ولا شهرتي بمن عرفت سببا في الغلو فيه، وارزقني إنصافا يجعلني أقبل الحق ممن جاء به، وأعرف فضل من عرفت، وأعذر نفسي فيمن لم أعرف، وأرد الأمر في المغمور من العلماء إلى أهل الخبرة والمعرفة.

فالعلم الحقيقي لا يجعل صاحبه يقول: (عرفت جميع العلماء)؛ بل يجعله أكثر تواضعا، فيقول:

(ما أعرفه من العلماء جزء يسير من أهل العلم، والله أعلم بمن رفعه بالعلم والتقوى، وأخفاه عنا).

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام