هل يجوز ترك التدخين بالتدرج
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 623: فضيلة الشيخ، هناك من يدخن لسنوات لكنه يجد صعوبة في الإقلاع عن التدخين مرة واحدة، ويجاهد نفسه تدريجيّاً، فهل هذا يجوز، أو أنه يجب الإقلاع النهائي عنه؟
ج 623: تكلمنا في لقاءاتٍ سابقة عن حكم التدخين، وبينا حرمته على ضوء الأدلة الواردة في الكتاب والسنة وقواعد التشريع.
والسائل هنا لا يسأل عن حكم التدخين، وإنما يسأل عن مسألة أخرى مهمةٍ وهي مسألة من كان مدخناً لفترة طويلة ثم قرر العودة إلى الله -عز وجل - وترك التدخين، فهل يتركه نهائياً أو يتدرج قليلاً قليلاً، حتى يبتعد منه؟
والجواب أن يقال: إن الناس في هذا الباب على قسمين:
القسم الأول: من إذا ترك التدخين كليّاً لم يجد صعوبة مضرّة، فربما يجد تعباً بسبب هذا الترك لكنه ليس مضرّاً، فهذا يجب عليه أن يتخلص منه نهائياً؛ لأن من شروط التوبة الإقلاع عن المعصية وجوباً على الفور، قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا"(1).
والقسم الثاني: مَن إذا ترك التدخين كليّاً مرةً واحدةً تضرَّرَ، وربما تعرض للهلوسة، فهذا نقول له: لا يجوز لك أن تترك التدخين إلا بالتدريج؛ وذلك لأن هذا الشخص قد مارس التدخين فترة طويلةً حتى صار أثر الدخان في عروقه ودمه، بمعنى - أنه صار مدمنًا، فإذا انقطع عنه تغيرت حياته سلبياً وانهارت أعصابه وتضرر، والشريعة الإسلامية إنما قامت وجاءت بأحكامها لدرء المفاسد وجلب المصالح، ولذلك قعد الفقهاء قاعدة أخف الضررين، وقالوا يؤتى بأخف الضرر لدفع ضررين، أو لدفع ما هو أعظم.
والشريعة الإسلامية لم تنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة واحدة، وإنما تدرجت الأحكام؛ فقد جاء في الخمر قوله تعالى: "لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى"(2)، بمعنى أنه لا يجوز شرب الخمر قبيل الصلاة، ثم بعد ذلك نزلت الآية الأخرى: "يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ"(3)، فتجد أن الخمر لم يصر حراماً في هذه الآية، وكذا الآية التي قبلها، ثم جاءت الآية الثالثة فحرمته مطلقاً؛ فقال الله - تعالى - : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ(4) وَالأَنصَابُ(5) وَالأَزْلاَمُ(6) رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"(7)، فالشريعة الإسلامية تمهد للأمور المضرة التي تحتاج إلى تدرج، فالإنسان إذا وقع في مُضِرٍّ فقام على تركه جملة واحدة فإنه قد يؤدي به إلى ضرر، فيلزمه التدريج في الترك؛ حتى لا يتضرر أكثر، لأن من الناس من إذا تركه كليّا تضرر، وأصيب بالهلوسة وما أشبه ذلك.
وقد جيء لي بشاب متزوج أتى به طالب من الطلاب الذين يحضرون الدروس عندنا، وقال: هذا أخي ومعه أخ آخر، وإذا بهذا الأخ كالمهلوس وكان يبكي، وعمره ما يقرب من ثلاثين عامًا أو أكثر، وهو متزوج وعنده أبناء، فتعجبت من بكائه، وقلت: ماذا حصل؟
فقال لي أخوه الذي يدرس في الحلقة: هذا يشرب الدخان، وقد منعناه من الدخان وحبسناه عنه؛ لأنه حرام ولا يجوز، فتفاجأنا به على هذه الحال، فقال: دلوني على البيضاني، فجئنا به إليك.
فقلت لهم: دعوه يعود إلى التدخين ويتركه بالتدريج، قالوا لي: لقد قال لنا الطبيب هذا الكلام، وقال بأنه يضره إن ترك التدخين كلياً، فقلت: صدق الطبيب.
فأنت أيها الأخ السائل إذا كنت من القسم الثاني ممن يتضرر من الإقلاع عنه بالكلية، فعليك أن تتركه بالتدريج، كما قررنا لك.
ولا شك أن التدخين من الأمور الخبيثة المضرة؛ لأن فيه إسرافًا، والإسراف حرام، والله - عز وجل - يقول في كتابه الكريم: " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"(8)، كما أنه مضر بالصحة؛ والله - عز وجل - يقول: "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً"(9).
كما أن تعاطي الدخان سبب من أسباب وجود الأمراض الخطيرة؛ كالسرطان والعياذ بالله، وانسداد الشرايين، وما أشبه ذلك، والنبي -صلى الله عليه وسلم - يقول كما ثبت عنه: "لا ضرر ولا ضرار"(10).
فلا يجوز تعاطي الدخان أصلًا، ومن لم يستطع أن يتركه جملة واحدة فلا مانع أن يتدرج في تركه، وأن يخفف منه يومياً بالتدرج، حتى يتخلص من هذا الأمر الخبيث، وبالله التوفيق.
ــــــــــ
([1]) سورة التحريم، آية (8).
([2]) سورة النساء، اية (43).
([3]) سورة البقرة، اية (219).
([4]) وهو القمار.
([5]) الأصنام المنصوبة للعبادة.
([6]) وهي قطع رقيقة من الخشب كالسهم كانوا يستقسمون بها في الجاهلية، تفاؤلًا أو تشاؤمًا، وكانت إما عند الكهان وإما عند الأصنام.
([7]) سورة المائدة، اية (90).
([8]) سورة الأعراف، اية (31).
([9]) سورة النساء، اية (29).
([10]) أخرجه أحمد في المسند [مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، (5/55 رقم 2865)]، وابن ماجه في السنن [كتاب الأحكام - باب مَنْ بَنَى فِي حَقِّهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ (4/27 رقم2340)] من حديث عبادة بن الصامت وابن عباس - رضي الله عنهم -.