آداب وشروط قبول الكلام السيء في شخص وتطبيق قاعدة "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س588: إذا جاءني شخص وهو ثقة وقال لي إن فلاناً - وهو ثقة أيضاً - يرى بالخروج أو يطعن في أهل العلم أو أن عنده تشيعاً أو غير ذلك.. فهل أقبل كلامه وأبني عليه حكماً أم أطلب منه بينة على ما يقول لمعرفتي بالمجروح؟ وهل لي أن أتثبت بسؤال المجروح أو لا؟ ولو أنكر الثقة المجروح إذا سألته أو ناصحته فماذا على أن أفعل؟ وهل قاعدة "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" تنطبق على هنا؟ وهل يختلف موقفي إذا كان المتكلم فيه مجهولا أو من أهل البدع في طلب البينة والتثبت؟
ج588: الحديث النبوي يلزم في نقله شرطان كما سبق وهما: العدالة وهي الدين الذي يمنع الشخص من ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر وهي تنفي الفسق بجميع أنواعه عن الشخص.
والثاني: الضبط وهو أن ينقل الراوي الرواية كما سمعها من خلال حفظه أو كتابه إن لم يكن ممن يَعْتَمِدُ على حافظته الفطرية.
وأما كلام البشر فيكفي في عدالة الناقل الشرط الأول ليس غير.
وكون هذا الشخص حدثك وهو عندك ثقة بكلام سيِّء أو ظاهره البدعة عن آخر هو عندك ثقة فنقول: يلزم التثبت مع بقاء عدالة الطرفين حتى تقوم البينة أو يظهر عند المخبر ما يسقطه عن درجة العدالة.
فإذا تبين لديك في الطرف المخبر عنه ما نقل إليك من خلال سؤالك له أو من خلال تسجيل أو كتاب له فهنا يلزمك مناصحته وبيان الحق الذي يلزمه ودعوته إلى الصواب إن كنت أهلاً وإلا عليك أن تخبر من هو أهل لمناصحته وإقامة الحجة عليه فإن رجع فبها ونعمت وإن أصر فيقام عليه الحكم الشرعي بموجب ضوابط وقواعد أهل الجرح والتعديل يفصل في ذلك أهل هذا الفن الذين اتفقت في حقهم شروط الجرح.
أما إذا أنكر من قيل في حقه جرح أو زلة فيلزم حمله على ظاهره الذي عرف عنه قبل الجرح حتى تقام بينة ظاهرة لا ريبة محتملة.
وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "أعرضوا عن الناس، ألم تر أنك إن ابتغيت الريبة(1) في الناس أفسدتهم، أو كدت تفسدهم"(2).
وقد ثبت في المسند وغيره: أن عقبة بن الوليد رضي الله عنه بعثه النبي عليه الصلاة والسلام لاستلام الزكاة من الحارث بن أبي ضرار الخزاعي رضي الله عنه فذهب عقبة ورأى أن الحارث قد أقبل مع قومه جهته فظن أنه سيقتله فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام فقبل النبي عليه الصلاة والسلام خبر الثقة وهو عقبة في الثقة وهو الحارث ولم يتبين لعل عقبة أخطأ في الفهم فأرسل جيشاً لردع الحارث فلما أقبل الحارث بين للنبي عليه الصلاة والسلام ما حصل فنزل على النبي عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: "إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا"(3)(4).
والشاهد: أن الله عز وجل أَنَّبَ نبيه عليه الصلاة والسلام من عدم تثبته من خبر الثقة في الثقة.
لكن ليس فيه عدم قبول خبر الثقة لأن قبوله حاصل في الجملة وهذا تفاقاً، لكن المقام في الإثبات يقتضي التثبت وهذا مربط الفرس.
أما قاعدة: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" فهذه قاعدة عامة في الخصومات ولا ينبغي أن تفتح على مصراعيها وكل من أنكر خطأً طالبناه باليمين! لا، هذا لا ينبغي بارك الله فيكم.
لكن لو رأى العالم الناقد تطبيق هذه القاعدة على طالب علم أو عالم آخر، وهناك مصلحة محققة فلا بأس بذلك فللعالم في هذا الباب ما ليس لغيره وإلا فُتِح على الناس باب فتنة لا يغلق إلا بعد مفاسد لا تحمد عقباها والله المستعان.
أما قولك: وهل يختلف موقفي إذا كان المتكلم فيه مجهولا أو من أهل البدع في طلب البينة والتثبت؟
فالجواب الصحيح: أن الموقف لا يختلف لأنك في مقام البحث عن الحق وتصفية الساحة من الأخطاء والزلات المضرة.
فأهل السنة لو علموا من مجهول شيئاً تثبتوا من ذلك فإذا تبين صحة ما قيل في الشخص أقاموا فيه الدين وحكموا بعد ذلك عليه بما يستحقه وفقاً لضوابط الشريعة المطهرة لأن السكوت لا يحمد في هذا الباب، فإنك إما أن تزيل باطلاً وكذباً عن أخيك وإما أن تناصحه في ما ثبت عنه بغض النظر عن المخبر ثقة كان أو مجهولاً أو مبتدعاً لكن عليك أن تحمل السلامة في قلبك عن أخيك حتى تتبين، وبالله التوفيق.
ــــــــــــــــ
([1]) التهمة.
([2]) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (14/287) من حديث معاوية بن أبي سفيان.
([3]) سورة الحجرات، الاية (6).
([4]) أخرجه أحمد في مسنده [مسند الكوفيين، حديث الحرث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه (4/279 رقم 18482)] من حديث الحرث بن ضرار.