لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن (2)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
من هم الحوثيون؟ ومن وراءهم؟
في زحام الأحداث وتلاطم أمواج السياسة، ووسط دخان الحروب وتبدل الشعارات، يبرز اسم الحوثيين ككيان شيعي يحترف التلون، ويتقن لعبة الضحية والجلاد، لكن وراء هذا الاسم المألوف اليوم في نشرات الأخبار مأساة شعب، وخديعة أمة، وخنجر غرس في خاصرة اليمن، بيد ظاهرها يمنية وباطنها فارسية.
في تسعينيات القرن الماضي، كنت طالب علم لدى شيخنا المحدث مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله بقرية دماج التابعة لمحافظة صعدة، وكنت أذهب لأعلى دماج حيث عامته شيعة، أقيم هنالك دروس العقيدة والنحو والفقه والمصطلح وغيرها من العلوم، كان شيخنا الوادعي يحذرني من بطشهم مرارا، فكنت أقول له إني حذر، وقد فرحت أن بعضهم ترك التشيع وصار يطلب العلم عندي، ثم تفاجأت بظهور حركة الشباب المؤمن الشيعية وكانوا يحضرون حلقاتي في علوم الآلة ويتغيبون عن حضور دروسي في العقيدة، كانت البداية تحت عنوانٍ براق: (الشباب المؤمن)، وهي حركة فكرية تأسست عام 1992 بدعوى إحياء الزيدية، وتعليم الشباب أسس المذهب الشيعي، كرد فعل على ما وصفوه بغزو الفكر السلفي.
لكن سرعان ما تحول هذا الاسم اللين إلى وجه عسكري صلب، فتطورت حركة الشباب المؤمن إلى جماعة الحوثي، نسبة إلى مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي، الذي سرعان ما بدأ يضخ أفكاره المتأثرة بالثورة الإيرانية، ويرفع شعارات الموت: (الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام).
وقد التقيت بالشيخ صادق الأحمر رحمه الله، وتكلمت معه بخصوص الحوثيين، فقال لي الحوثي يريد الفتنة والتحريش، ودخل شخص في الكلام، وقال: استضاف الشيخ صادق في بيته السفير الأمريكي، وقال له: ما رأيك بشعار الحوثيين (الموت لأمريكا)، فضحك السفير، وقال هو مجرد كلام.
قلت: قالها السفير لأنه أمن شرهم، ولأن أمريكا والاتحاد الأوربي وإيران ومن شايعهم يومها: هم من دعم جماعة الحوثي، وأسندهم حتى صاروا قوة على الأرض.
تطور هذا الشعار وصار يرفع في ساحات المواجهة ضد الشعب اليمني، وكأنهم لم يجدوا عدوا إلا أهل بلدهم.
كل من عاداهم من الشعب لقبوه بأوصاف، مثل: داعشي، قاعدي، يهودي، عميل للصهاينة.
ولعل من أشد ما يبكي في قصة الحوثيين أنهم خرجوا من رحم بلاد الإيمان والحكمة، ليكونوا أداة لمن هدم الإيمان وطمس الحكمة.
لقد ارتبط الحوثيون منذ بداياتهم بولاية الفقيه في إيران، وأخذوا منها فكرتهم، ونهلوا من مراجع قم والنجف.
استطاعت الجماعة إدخال خبراء إيرانيين ولبنانيين للاستفادة من تجاربهم الاستبدادية كالتعذيب، وإهانة وسجن وقتل واضطهاد كل من يقف ضدهم من الشعب، كما استفادوا منهم في مجال صناعة المتفجرات، وتطوير الأسلحة، رغم علمي المسبق عام 1992م أن الرئيس علي عبدالله صالح كان مهتما بتطوير الأسلحة وصناعتها خفية، وذلك قبل ظهور الشباب المؤمن وقبل ظهور الجماعة، ولما ظهرت الجماعة أظهرت هذا التطور الذي أساسه خبراء يمنيين كانوا موجودين في عهد رئاسة الرئيس علي عبدالله، مع خبراء جدد من إيران ولبنان.
تعد السفارة الإيرانية بصنعاء المحرك للجماعة، والمستشار الأول، وحلقة الوصل بين إيران والجماعة.
وكلما نمت الجماعة تمددت الأذرع الإيرانية عبرهم في اليمن، وتحولت صعدة من مدينة يمنية بسيطة إلى نسخة مصغرة من قم، يُدرس فيها الفكر الإثنا عشري، وتُرفع فيها صور خامنئي، ويدور فيها حديث عن النصر الإلهي.
اندلعت أول حرب بين الحكومة اليمنية والحوثيين عام 2004 بعد خروج حسين الحوثي عن طاعة الدولة، ورفضه تسليم السلاح، ليتوالى بعدها ست جولات من القتال حتى عام 2010، راح ضحيتها عشرات الآلاف من الجنود والمواطنين، وانتهت بمقتل حسين الحوثي، لكن الجماعة لم تنته، بل استقوت لوجود الدعم الخارجي، وظهر خلفا لحسين أخوه السفاح عبد الملك الذي يعد أكثر دموية من أخيه، وازدادت غموضا، وتعددت أذرعها ومصادر تمويلها.
لقد كان القتال ميدانا لتجريب الأسلحة الإيرانية وغيرها، وتدريب الميليشيات، وتهيئة الأرضية للاستيلاء الكامل لاحقا.
دخل الحوثيون صنعاء في سبتمبر 2014، بذريعة الجرعة السعرية (رفع أسعار الوقود)، لكنهم ما لبثوا أن انقلبوا على الدولة، واحتلوا المؤسسات، وكانوا قبلها قد احتلوا صعدة ومحافظة عمران حتى وصلوا العاصمة صنعاء، ثم اجتاحوا محافظات اليمن الواحدة تلو الأخرى.
استولوا على السلاح الثقيل من الجيش، وفرضوا واقعا جديدا بقوة السلاح، لا الدستور.
واختطفوا الرئيس عبد ربه منصور هادي والحكومة، ثم شكلوا اللجنة الثورية، وبدأوا حكما دمويا طائفيا، تسقط فيه القرى، وتهجر فيه القبائل، ويسجن فيه العلماء ومشايخ القبائل والنشطاء والأعيان والإعلاميون، وتفجر فيه المساجد ودور تحفيظ القرآن وبعض دور العلم الشرعي ومنازل كبار القوم، لا لشيء إلا لأنهم ضد الفكر الحوثي الطائفي الإرهابي.
إيران التي ما فتئت تبحث عن موطئ قدم في كل بلد عربي، كانت ترى في اليمن فرصة للسيطرة على مضيق باب المندب، وتهديد خاصرة الخليج.
وقد صرح قادتهم في طهران علنا، فقالوا: (سنعيد أمجاد الإمبراطورية الفارسية من طهران إلى بغداد إلى دمشق إلى صنعاء).
وصرح أحدهم: (لقد سقطت العاصمة العربية الرابعة في يد إيران).
وقديما في عهد الملك فهد، قيل إن الشاعر أحمد الشامي شاعر التشيع الصفوي اليمني كتب قصيدة مطلعها:
قل لفهد وللقصور العوانس
إننا سادة أباة أشاوس
سنعيد الحكم للإمام إمـا
بثوب النبي أو بأثواب ماركس
وإذا خابت الحجاز ونجــد
فلنا أخوةٌ كرامٌ بفارس
هذا هو واقعهم عودة ملك التشيع ولو بالكفر والإلحاد، وتاريخهم يشهد بذلك فإن الخلافة العثمانية تقدمت في فترات نحو أوربا، وأوشكت على فتح دول منها، لولا تحرك جيوش إسماعيل الصفوي من إيران نحو مناطق وبلدان الخلافة، فيضطر جيش الخلافة أن يترك الفتوحات في أوربا ويرجع للوراء لمحاربة الاحتلال الشيعي الصفوي الذي كانت دول أوربا تدعمه لإسقاط الخلافة، فلا علاقة للتشيع الإثني عشري اليوم بالدين سوى أنه يقاتل المسلمين باسم الدين سواء في الأحواز أو العراق أو اليمن أو غيرها.
وها هم اليوم يقيمون احتفالات عاشوراء في مناطق اليمن، ويرفعون صور الخميني، وقد أعادوا تشكيل المناهج الدراسية في اليمن، وفق فكرهم الطائفي تحت لافتة الثقافة القرآنية.
ولا شك أن الشعب اليمني هو أول الضحايا من جميع الاتجاهات لكونه المستهدف في تغيير فكره وفكر أبنائه وفق ما تريده إيران، ناهيكم عن القتل والتجويع والتنكيل بالشعب، حتى صار كثير من الشعب إلى شعب مهجر، أُخرج من بيته، ومن صار لاجئا في بعض مناطق وطنه وخارجه.
اليمن الذي كان يعرف بالسعيد، صار مسرحا لأكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث: فقرا، ومجاعة وتخلفا.
تدمرت هويته، وهُدمت دولته، وصار القرار السيادي مرهونا بمكتب المرشد في طهران.
الحوثيون ليسوا جماعة متمردة فحسب، بل هم خنجر طائفي مسموم، يخترق الجسد العربي المسلم، بإملاء فارسي، وبغطاء ديني مزيف.
ولا يمكن لأي سلام أن يستقيم ما دام في اليمن ميليشيا مسلحة تتبع ولاية كهنوتية خارجية.
وما لم يُجتث هذا المشروع الطائفي من جذوره، فسيبقى اليمن ساحة حرب، وستبقى الأمة تنزف، ولن تعيش دول الجوار بسلام.
فيا أهل اليمن، ويا أمة العرب والإسلام: اعرفوا عدوكم، وميزوا بين من يبكي عليكم، ومن يبكي منكم.
واعلموا أن الحوثي ليس قضية وطن، ولا مشروع إصلاح، بل وكيل احتلال مقنع بعباءة الدين، وهو وكيل إيران باليمن، كما أن مليشيات الحشد الشعبي وكيلة لإيران في العراق، وحزب الله وكيل بلبنان، وهو اليوم يتمدد من خلال أنصاره في بعض دول الخليج وبعض الدول العربية، فإن لم يتم قطع رأس هذا الأخطبوط فسيكون كارثيا على الأمة العربية والإسلامية.