الخميس 3 شعبان 1447 هـ || الموافق 22 يناير 2026 م


قائمة الأقسام   ||    لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن    ||    عدد المشاهدات: 103

لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(54)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

الحلقة الرابعة والخمسون: الحوثي والأسواق: الهيمنة الاقتصادية وخنق الحياة المعيشية


منذ أن وضعت جماعة الحوثي يدها على العاصمة صنعاء وبقية المناطق اليمنية، بدأ اقتصاد اليمن يسلك طريقا معتما، تحول فيه السوق إلى ساحة نفوذ، والتجارة إلى وسيلة ابتزاز، والمعيشة إلى معركة يومية يخوضها المواطن المسكين ضد الغلاء والاحتكار والجباية. 

فالجماعة التي أمسكت بزمام السلطة لم تكتفِ بإدارة الدولة، بل أعادت تشكيل الاقتصاد على طريقتها، لتصبح كل سلعة، وكل سوق، وكل صفقة تحت هيمنة مشرفيها.

فمنذ عام 2017م أخذت جماعة الحوثي تفرض قبضتها على الأسواق من جميع الاتجاهات في صنعاء وصعدة وذمار والحديدة وغيرها، تحت شعار تنظيم الأسعار وحماية المستهلك. غير أن الحقيقة كانت أبعد ما تكون عن التنظيم؛ إذ تحولت قرارات التسعير إلى أدوات ابتزاز، يخضع لها التجار صاغرين، ويدفعون أثمانها نقدا وولاء.

وفي يونيو 2023م، أطلقت الجماعة واحدة من أوسع حملاتها ضد التجار في العاصمة صنعاء، حيث داهمت مئات المحال التجارية بحجة مخالفة التسعيرة الجديدة التي فرضتها وزارة الصناعة والتجارة التابعة لها. 

وذكرت وكالة رويترز في تقريرها بتاريخ 28 يونيو 2023م أن الحملة رافقها فرض غرامات مالية باهظة، وإغلاق متاجر، ومصادرة بضائع، في سلوك وصفته الغرفة التجارية والصناعية بأنه ممارسات قسرية تخنق السوق الحرة وتدمر الثقة بالقطاع التجاري.

ووفق تقرير مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي اليمني الصادر في أغسطس 2023م، فإن الحوثيين فرضوا منذ بداية العام أكثر من 12 نوعا من الجبايات غير القانونية على التجار، تحت مسميات المجهود الحربي ودعم الجبهات وإحياء المناسبات الدينية، ما أدى إلى رفع الأسعار بنسبة تجاوزت 35٪ خلال النصف الأول من العام فقط.

وفي مارس 2024م، أعلنت جماعة الحوثي إصدار عملة معدنية جديدة من فئة 100 ريال، تلتها في يوليو 2024م عملة أخرى من فئة 50 ريالا، في خطوة أثارت جدلا واسعا في الأوساط الاقتصادية. 

وقد نقلت وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) بتاريخ 2 أبريل 2024م عن خبراء اقتصاديين قولهم إن هذا الإجراء يمثل محاولة لإحكام السيطرة على الدورة النقدية داخل مناطق نفوذ الجماعة، وإيجاد اقتصاد مواز يقطع صلته بالبنك المركزي في عدن.

وفي حين اعتبرت الحكومة اليمنية الشرعية في بيانها الصادر بتاريخ 3 أبريل 2024م أن هذه الخطوة غير قانونية وتشكل جريمة تزوير للعملة الوطنية، رأت بعثة الأمم المتحدة في اليمن (UNMHA) أنها تهديد مباشر لوحدة الاقتصاد الوطني وتوسيع لرقعة الانقسام المالي بين الشمال والجنوب.

هكذا لم تكتفِ الجماعة بنهب الإيرادات العامة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، لتصنع لنفسها نظاما نقديا موازيا، يتحكم في الأسعار والتحويلات ويدير السوق كأنه مزرعة خاصة.

وقد انعكست هذه السياسات بشكل مباشر على حياة الناس. 
ففي محافظة تعز، على سبيل المثال، أشار تقرير المرصد الاقتصادي اليمني الصادر عن البنك الدولي في ديسمبر 2024م إلى أن أسعار السلع الغذائية في المناطق الخاضعة للحوثيين تزيد بنسبة تتراوح بين 25% و40% عن نظيراتها في المناطق المحررة، بسبب القيود المفروضة على حركة البضائع والضرائب المتعددة التي تفرضها الجماعة على الطرق بين المحافظات.

كما بين التقرير أن الجماعة تجني شهريا ما يقارب 15 مليار ريال يمني من رسوم النقل والجمارك غير القانونية المفروضة على شاحنات المواد الغذائية القادمة من عدن ومأرب، ما يجعل المواطن هو الضحية الأولى لكل هذه الممارسات.

لقد تسببت سياسات الحوثيين في شلل شبه تام للقطاع التجاري اليمني. 

فمع توقف صادرات النفط اليمني، وانخفاض الصادرات غير النفطية بنسبة 60% وفق تقرير البنك المركزي اليمني – فرع عدن (مارس 2024)، باتت الأسواق تعتمد على الاستيراد المكلف، وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية تجاوزت 45%.

كما أوضح تقرير برنامج الأغذية العالمي (WFP) في مايو 2024م أن نحو 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن السيطرة الحوثية على الموارد والأسواق المحلية تعد أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة المعيشية.

إن تجربة اليمن تحت سلطة الحوثيين تظهر أن السوق لم تعد ميدانا للتجارة الحرة، بل أصبحت أداة للحرب والسيطرة. 
فكل كيلو سكر، وكل صفيحة دقيق، وكل لتر وقود، يخضع لجباية أو قرار أو مزاج مشرف.

إن استمرار هذه الهيمنة لا يهدد فقط حياة الناس، بل يهدد فكرة الدولة نفسها، ويعمق من الانقسام بين يمنين: يمن يسعى للبقاء عبر العمل والإنتاج، وآخر يعيش على الجباية والاحتكار.
وما لم ترفع القبضة الحوثية عن السوق بل عن الدولة كلها، فلن يكون للاقتصاد اليمني مستقبل سوى مزيدٍ من الركود والجوع والاضطراب.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام