السبت 8 ذو القعدة 1447 هـ || الموافق 25 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 355

كيف يتم بناء الدولة

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


 الدولة ليست جدارا من حجر ولا قصرا من طين، إنما هي روح تسري في جسد الأمة، تصنعها العقيدة، ويقيم بنيانها العدل، وتنهض على أكتاف الرجال الصادقين.

ولا يمكن أن تكون قوية الأركان إلا بأسس متينة، اهمها:

الأول: الأساس العقدي والفكري

أول لبنة في بناء أي دولة هو الفكر الرباني الجامع الذي يوحد أبناءها.
فالدولة التي لا تقوم على عقيدة صحيحة أو فكرة واضحة، تظل هشة، متصدعة، تعصف بها رياح الأهواء.
قال تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).
فالوحدة الفكرية والعقدية هي التي تمنح الدولة ثباتها وقوتها، وتحفظها من التمزق والانقسام.

الثاني: العدل أساس الملك

منذ أن خط ابن خلدون مقدمته، قرر قاعدة خالدة: العدل أساس العمران. فإذا ساد الظلم، تداعت الدولة إلى سقوطها، وإذا ساد العدل، رسخت أركانها كالجبل.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد).
العدل هو الضمانة الوحيدة لاستمرار الدولة مهما تنوعت أجناس الناس وأعراقهم.

الثالث: النظام والمؤسسات

لا تبنى الدولة على العاطفة المجردة، بل على نظام منضبط، فالنبي صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة، أول ما صنعه أن أقام نظاما للمدينة، ينظم العلاقة بين المسلمين واليهود والمشركين.
فوجود المؤسسات المنظمة سياسية، قضائية، اقتصادية، اجتماعية، ونحوها، هو ما يحول الفوضى إلى حضارة.

الرابع: القوة والهيبة

قال الله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم).
فلا دولة بلا قوة، ولا سيادة بلا هيبة.
القوة  ليست خاصة بالعسكرية فقط، بل قوة في العلم، والاقتصاد، والإعلام، والزراعة، والصناعة، ونحوها.
فالأمة الضعيفة لا يهابها عدو، ولا يحترمها احد.

الخامس: البعد الاجتماعي واللحمة الداخلية

الدولة الناجحة تبنى على تماسك المجتمع، فحين يتفكك الناس، وتنتشر العصبية والطبقية، تتصدع أركان الدولة.
لذلك أكد الإسلام على التعاون والتراحم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

السادس: الاستفادة من التاريخ وسنن الله

التاريخ مدرسة، والدول التي لا تتعلم منه تعيد أخطاء من سبقها. قال تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).
فمن سنن الله أن الظلم مؤذن بخراب العمران، وأن الفساد يقتل الأمم من الداخل، وأن الترف والفساد المالي والإداري ينهش كيان الدولة حتى تسقط.

السابع: البعد الدعوي والرسالي

الأمة المسلمة ليست كغيرها من الأمم، رسالتها أمانة، ودورها قيادة العالم بالهداية لا بالقوة فقط.
قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا).
فالدولة التي تنسى رسالتها الدعوية، وتتحول إلى كيان سياسي دنيوي، تفقد روحها ومعناها.

الثامن: الاستفادة من الدول المتقدمة

الدولة المسلمة ليست منغلقة على نفسها ولا ترفض ما عند غيرها من خبرات وتجارب نافعة، بل تقوم على مبدأ الأخذ بالحكمة حيث وجدت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره: (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها).

فهي تستفيد من كافة الدول المتقدمة، في كل ما ينفع الوطن والمواطن، من علوم وصناعات وتجارب إدارية واقتصادية وتقنية، وغيرها، شرط أن لا يتعارض ذلك مع ثوابتها العقدية والشرعية، فتكون بذلك متوازنة متمسكة بالأصول، منفتحة على التجارب النافعة.

والحاصل: بناء الدولة مشروع حضاري طويل النفس، لا يتم بشعارات فارغة، ولا بثورات غضب عابرة، بل يتم حين يجتمع الإيمان مع العدل، والنظام مع القوة، والوحدة مع الرسالة، فالدولة التي لا تبنى على هذه الأسس، ليست إلا وهما سرعان ما يتلاشى، أما الدولة التي تبنى على الحق فهي الباقية، لأن وعد الله حق:
(ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام