كيف تحاور من ينكر السنة الصحيحة(19)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
شبهة (11) قول منكري السنة: الأحاديث ظنية الثبوت وهي آحاد فلا يبنى عليها دين ولا تفيد العلم ولا يحتج بها في العقيدة
والجواب عليهم: أن هذه الشبهة من أكثر ما يلبس به منكرو السنة على الناس، يرددونها بعبارات براقة ظاهرها التعظيم للدين، وباطنها هدم له من أساسه، إذ يزعمون أن الأحاديث ظنية الثبوت لأنها نقل آحاد، فلا تصلح أن تكون مصدرا للتشريع ولا يبنى عليها حكم في العقيدة أو الفقه.
وهذه الدعوى باطلة من وجوه كثيرة، بل هي خرق في جدار الدين لو فتح، لسقط معه القرآن نفسه الذي يعتمد على منهج النقل والرواية.
أولا: قولهم "الأحاديث ظنية الثبوت" مغالطة خبيثة، لأن السنة ليست كلها ظنية الثبوت، ففيها المتواتر الذي رواه جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب، وهذا قطعي الثبوت كقطعية القرآن.
بل إن أحاديث كثيرة متواترة لفظا أو معنى، كأحاديث رؤية النبي للجنة والنار، وأحاديث رفع اليدين في الدعاء، وأحاديث الشفاعة، وأحاديث نزول الوحي وغيرها.
وأما الأحاديث الآحاد الصحيحة فهي ظنية الثبوت من جهة احتمال الخطأ في النقل، لا من جهة الشك في صدق الرواة، ومع ذلك فقد أجمعت الأمة من عهد الصحابة إلى يومنا هذا على وجوب العمل بها في الأحكام والعقائد جميعا، ولم يقل أحد من السلف بأنها لا يحتج بها في الدين.
النبي عليه الصلاة والسلام ـ كما جاء في الصحيحين وغيرها من كتب السنة ـ أرسل معاذا وعليا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن ليعلموا الناس الإسلام؛ كتابه وسنته، وما يحمله من أحاديثه الشريفة.
كانوا ثلاثة فقط، وكل واحد منهم كان يخبر النبي بما يجري هناك، وهذه أخبار آحاد، ومع ذلك كانت حجة قائمة وعملية معتمدة في حياة الصحابة أنفسهم.
وانظر أيضا إلى حديث عظيم عرفه كل مسلم، بل يكاد لا يوجد أحد من أهل الإسلام إلا وسمعه أو قرأه، وهو حديث عمر بن الخطاب كما في الصحيحين: (إنما الأعمال بالنيات) هذا الحديث من الآحاد ظني الثبوت، ولا يصح إلا من حديث عمر، ومجمع على صحته، ومع ذلك أصبحت قاعدته أصلا عظيما يبنى عليه صحة العمل كله، فلا عبادة بغير نية.
فهل كان يمكن لعلماء الأمة قاطبة أن يجمعوا على هذه القاعدة الشرعية الكبرى، لو لم تكن أحاديث الآحاد ظني الثبوت حجة يعمل بها؟
لقد أجمع أهل العلم من جميع المذاهب والاتجاهات على أن صحة العمل متوقفة على النية، واستدلوا بهذا الحديث، ومع ذلك لم يعترض أحد منهم على كونه آحادا (ظني الثبوت).
بل الأعجب أن الذين ينكرون اليوم حجية الآحاد، من المعتزلة والفلاسفة والمتكلمين، هم أنفسهم يحتجون بهذا الحديث في كتبهم عند الحديث عن النية، فهم يقبلونه عمليا ويقولون بصحته وحجيته وينكرون حكمه استنادا لهواهم.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، فمن ترك ما جاء به الرسول فقد رد أمره، ومن رد أمره فقد أبطل عمله.
وقد أجمع أهل السنة والجماعة عبر القرون ـ ومعهم أئمة الإسلام الأربعة، وداود الظاهري، وابن حزم، وسائر العلماء في القديم والحديث ـ على وجوب العمل بأحاديث الآحاد في العقائد والأحكام معا، وأن ردها ليس علما ولا اجتهادا، بل بدعة تخالف سبيل المؤمنين.
فالسنة لا تقوم إلا بنقل الثقات، وما نقلوه فهو الدين، فمن قبل نقلهم في القرآن ثم أنكره في السنة فقد تناقض، ومن رد الآحاد فقد رد طريقة الأمة كلها من عهد النبي إلى اليوم.
ثانيا: إن القرآن نفسه أمر بالأخذ بخبر الواحد العدل، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)، فلو كان خبر الواحد لا يقبل مطلقا، لما أمر الله بالتثبت من خبر الفاسق، بل لقال: لا تقبلوه أصلا.
فدل على أن خبر العدل مقبول.
ثالثا: إن تقسيم الأخبار إلى قطعي وظني ليس حجة لإسقاط السنة، لأن الظن المعتبر في الشرع هو الظن الراجح الذي تقوم عليه الأحكام كلها، وقد قال الله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون)، وليس الظن هنا وهما، بل يقينا راجحا.
فالعلم الشرعي لا يبنى على الشك وإنما على غلبة الظن التي تبلغ حد الاطمئنان.
فإذا كان القاضي يحكم بدماء الناس وأموالهم بناء على شهادة رجلين عدلين، أفلا يكون خبر رجلين أو ثلاثة من الصحابة أولى بالتصديق وهو ينقل عن رسول الله؟
رابعا: إن ظنية الثبوت لا تعني ضعف الحجة، لأن الظن هنا متعلق بالإمكان العقلي للخطأ، لا بوقوعه، وإلا فهل يمكن لعاقل أن يقول: إن آلاف الأحاديث التي حفظها المحدثون، ونقلها الأئمة بالإسناد المتصل، وحققها العلماء قرنا بعد قرن، كلها ظنية لا يؤخذ بها؟
لو كانت كذلك لما بقي في الدين شيء، لأن الصلاة وعدد ركعاتها، والزكاة وأنصبتها، والصوم وأحكامه، والحج ومناسكه، كلها ثابتة بالسنة، وجلها بأحاديث آحاد ظنية الثبوت.
فهل يريد منكرو السنة دينا بلا صلاة ولا زكاة ولا حج؟
خامسا: إن دعوى أن الظن لا يبنى عليه دين تناقض الواقع والعقل، لأن الحياة كلها قائمة على الظنون الراجحة، فالعاقل يسافر ظانا أن الطريق آمن، ويتزوج ظانا أن الزوجة صالحة، ويأكل ظانا أن الطعام نافع، فكيف يقبل الظن في مصالح الدنيا، ويرفض في دين الله وقد قامت عليه الأمة؟
فيا من يردد هذه الشبهة، تأمل حال الأمة منذ عهد الصحابة، هل فرقوا بين متواتر وآحاد في العمل؟
لقد قبل أبو بكر حديث (إنما الأعمال بالنيات) وهو حديث آحاد صحيح، وقبل عمر حديث (إنما البيع عن تراض) وهو حديث آحاد صحيح، وقبل عثمان حديث (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) وهو حديث آحاد صحيح، ولم يقل أحد منهم: هذا حديث ظني فلا نعمل به.
إن الطعن في ثبوت الأحاديث الصحيحة هو طعن في كل الدين، لأنك إن شككت في النقل عن رسول الله، فقد شككت في كل ما نقل عن الصحابة والتابعين والأئمة، بل في نقل القرآن نفسه، إذ نقله الرجال انفسهم الذين نقلوا السنة.
ثم تأمل قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، لم يفرق الله بين ما آتانا به متواترا أو آحادا، بل أوجب الأخذ بكل ما جاء به الرسول، لأن العبرة بثبوته عن النبي، لا بعدد من رواه.
إن هذه الشبهة التي يتذرع بها المنكرون ليست بحثا علميا، بل ستار لإسقاط السنة كلها، لأنهم يعلمون أن أغلب الأحكام الشرعية مبنية على أحاديث الآحاد، فإذا طعنوا في حجيتها أسقطوا الدين كله، ثم زعموا أنهم مؤمنون بالقرآن وحده.
ولكن هيهات، فالقرآن أمر باتباع الرسول، والسنة نقلت لنا أمر القرآن، فمن رد السنة فقد رد القرآن الذي أمر بها.
قال العلماء: (من جعل السنة ظنية لا يحتج بها فقد جعل الدين كله ظنا، لأنه لا طريق لنا إلى القرآن ولا إلى شيء من الدين إلا بنقل الآحاد).
فيا من تغتر بشبهة الظنية، اعلم أن الشك في السنة هو طريق الشك في الإسلام كله، وأن حفظ الدين لم يكن بالقرآن وحده، بل بالسنة التي هي بيانه وشرحه وتطبيقه.
ومن زعم أن الأحاديث ظنية لا يعمل بها، فليس له من الإسلام إلا اسمه، لأن دين الله لا يبنى على الهوى، بل على التسليم لما ثبت عن نبيه.
قال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).
فمن أراد الإيمان حقا، فليسلم للسنة كما سلم للقرآن، فإنهما وحيان من عند الله، حفظهما الله ليبقى دينه واضحا إلى يوم القيامة.
أما من طعن في ثبوتها بحجة الظن، فقد طعن في وحي الله، وجهل وعده الحق، وفتح على نفسه باب الردة والضياع.
فتمسك بسنة نبيك، فإنها سفينة النجاة، من تركها غرق في بحر الشبهات، ومن طعن فيها فقد طعن في الإسلام كله.