السبت 26 محرم 1448 هـ || الموافق 11 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    أولئك لهم الأمن وهم مهتدون    ||    عدد المشاهدات: 19

الأمن ثمرة التوحيد

ضمن سلسلة [أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (الحلقة رقم1)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


إذا ذكر الأمن انصرفت أذهان كثير من الناس إلى أمن الطرق، وحراسة الحدود، واستقرار الأوطان، وكل ذلك من أجل النعم، لكن القرآن الكريم يلفت أنظارنا إلى حقيقة أعظم، وهي أن الأمن يبدأ من القلب قبل أن يكون في الدار، ومن العقيدة قبل أن يكون في الأوطان.

لقد جعل الله تعالى الأمن أول جزاء لأهل التوحيد، فقال: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ).

ولما نزلت هذه الآية شقت على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين، وقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالظلم هنا هو الشرك، واستشهد بقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم).

فدل الحديث على أن الأمن الموعود في الآية هو ثمرة التوحيد الخالص، وأن أعظم ما يسلب الأمن هو الشرك بالله.

وإليكم قاعدة عظيمة ينبغي أن يستحضرها كل مسلم، وهي:

(كلما قوي التوحيد، قوي الأمن، وكلما ضعف التوحيد، ضعف الأمن).

ومن تأمل دعوة الأنبياء وجد أنهم بدأوا بإصلاح العقيدة قبل إصلاح الدنيا؛ لأن القلب إذا امتلأ بالإيمان استقام السلوك، وإذا استقام السلوك ساد العدل، وإذا ساد العدل استتب الأمن، وإذا استتب الأمن ازدهرت الحياة.

ولهذا وعد الله المؤمنين فقال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

فتأمل كيف ختم الوعد بالأمن بقوله: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)، إشارة إلى أن دوام الأمن مرتبط بدوام التوحيد.

وليس الأمن الذي وعد الله به المؤمنين مقصورا على أمن الأبدان، بل يشمل أمن القلوب من القلق والاضطراب، وأمن النفوس من الخوف، وأمن المجتمع من الفوضى، وأمن الأمة من الفتن، ثم الأمن الأكبر يوم القيامة، يوم يفزع الناس ويأمن أهل الإيمان.

ومن هنا قال بعض السلف: (من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس)

فصلاح العلاقة مع الله هو أصل كل صلاح.

ومن الحقائق التي يغفل عنها كثير من الناس أن الأمن ليس ثمرة العقوبات وحدها، ولا نتيجة كثرة الجند وحدهم، بل هو قبل ذلك نعمة يمنحها الله لمن أخذ بأسبابها من الإيمان والعدل والاستقامة، ثم بالأخذ بالأسباب المادية التي تحفظ البلاد والعباد.

ولهذا كان إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو يبني الكعبة، أول ما دعا به هو الأمن، فقال: (رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا)، ثم دعا بالرزق بعد ذلك، لأن الرزق لا يهنأ به صاحبه إذا عاش خائفا.

وإذا نظرنا إلى واقع الأمم وجدنا أن أكثر البلاد أمنا هي أكثرها استقرارا ونماء، وأن البلاد التي يضيع فيها الأمن لا ينفعها ما فيها من ثروات، فكم من أرض غنية بالموارد، لكنها لما فقدت الأمن هاجر أهلها، وتوقفت تجارتها، وتعطلت مصالحها.

ومن أجل ذلك كانت المحافظة على الأمن من أعظم الواجبات الشرعية، وكان الاعتداء عليه من أعظم صور الإفساد في الأرض.

ومن نعم الله العظيمة التي نراها، وتستوجب الشكر ما تنعم به المملكة العربية السعودية من أمن واستقرار، يشهده المواطن والمقيم والزائر، ولا سيما في الحرمين الشريفين اللذين يفدهما ملايين المسلمين كل عام. وهذا الأمن فضل من الله تعالى أولا، ثم ثمرة للاعتناء بالتوحيد، ووحدة الصف، وما تبذله القيادة ورجال الأمن من جهود كبيرة في حماية البلاد وخدمة ضيوف الرحمن، وهي نعمة يجب شكرها والمحافظة عليها.

والحاصل: أن الأمن في ميزان الإسلام ليس قضية أمنية فحسب، بل هو ثمرة من ثمار التوحيد، ووعد من الله لعباده المؤمنين، ونعمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها. فكلما ازداد الناس إيمانا بربهم، وتعظيما لشرعه، وعدلا فيما بينهم، كانوا أقرب إلى الأمن والطمأنينة، مصداقا لقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ).

نسأل الله أن يديم على بلاد المسلمين نعمة الأمن والإيمان، وأن يجزي خير الجزاء كل من يسهم في حفظ الأمن وصيانة الأوطان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام