من هم أهل الهداية؟
[ضمن سلسلة التفسير الإيماني للقرآن الكريم، الحلقة رقم (2)]
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى: (الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
الإنسان يتمنى أن يكون ناجحا في حياته، وأن يسلك الطريق الصحيح، وأن ينجو من الضلال والخسارة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: من هو الإنسان الذي يستحق هداية الله؟ وما الصفات التي تؤهله لأن يكون من أهل الفلاح؟
يجيب الله سبحانه عن هذا السؤال في أول سورة البقرة، بعد أن افتتح الله كتابه بسورة الفاتحة التي علمتنا أن نسأله الهداية، فإذا بالسورة التي تليها تبين لنا من هم المهتدون، فقال تعالى:
(الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
وكأن القرآن يقول لكل من دعا في الفاتحة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم): هذا هو الطريق، وهذه هي صفات أهله.
وتبدأ السورة بإعلان عظيم:
(ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ).
فالهداية لا تبنى على الظنون، ولا على الأهواء، ولا على الآراء المتقلبة، وإنما تبنى على كتاب لا شك في صدقه، لأنه كلام الله رب العالمين.
ثم تبين الآية أن القرآن ليس هداية لكل من قرأه، وإنما ينتفع به أهل التقوى، فقال تعالى:
(هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ).
فكلما كان القلب أتقى لله، كان انتفاعه بالقرآن أعظم، ولذلك قد يقرأ إنسان القرآن فلا تغيره آياته، ويقرأه آخر فتقلب حياته كلها.
ثم تذكر السورة أول صفة من صفات المتقين:
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ).
وهذه هي نقطة الانطلاق في حياة المؤمن؛ فهو يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنة، والنار، وكل ما أخبر الله به، وإن لم تره عيناه، لأن خبر الله أصدق من رؤية الأبصار.
ثم تأتي العبادة العملية:
(وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ).
ولم يقل: يصلون، بل قال: يقيمون الصلاة؛ لأن إقامة الصلاة تعني أداءها بخشوع، والمحافظة عليها، وإقامتها ظاهرا وباطنا، فهي الصلة اليومية بين العبد وربه، وهي أعظم ما يعين على الثبات.
ثم ينتقل القرآن إلى أثر الإيمان في التعامل مع الناس:
(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).
فالمؤمن لا يحتكر النعمة لنفسه، بل يرى أن المال أمانة من الله، فينفق منه على الفقراء، والمحتاجين، وأعمال الخير، فتطهر نفسه من الشح، ويبارك الله له في رزقه.
ثم توسع السورة دائرة الإيمان، فتقول:
(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ).
فالإسلام لا يبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم وحده، بل هو الامتداد الطبيعي لدعوة جميع الأنبياء، ولذلك يؤمن المسلم بكل رسل الله، ولا يفرق بين أحد منهم.
ثم يختم الله هذه الصفات بأعظم يقين:
(وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ).
ولم يقل: يؤمنون، بل قال: (يُوقِنُونَ)، لأن اليقين بالآخرة هو الذي يصنع الإنسان المستقيم؛ فمن أيقن أنه سيقف بين يدي الله، هانت عليه شهوات الدنيا، وعظمت مراقبته لربه، واستعد لذلك اللقاء.
وبعد أن ذكرت السورة هذه الصفات، أعلنت النتيجة الحاسمة:
(أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
فالهداية ليست معرفة، بل هي توفيق من الله، والفلاح ليس كثرة مال، ولا شهرة، ولا منصبا، وإنما هو الفوز برضا الله في الدنيا والآخرة.
ولو تأمل الناس أسباب الشقاء في زماننا، لوجدوا أنها ترجع إلى فقدان واحدة من هذه الصفات؛ فكم من إنسان ضل لأنه أنكر الغيب، وكم من آخر انحرفت حياته لأنه ضيع الصلاة، وكم من غني حرم البركة لأنه أمسك ماله، وكم من صاحب علم ضل لأنه ضعف يقينه بالآخرة.
إن هذه الآيات ترسم شخصية المسلم الحقيقية؛ عقيدة راسخة، وعبادة قائمة، وبذل وعطاء، وإيمان شامل، ويقين لا يتزعزع، فإذا اجتمعت هذه الصفات، تحقق للعبد وعد الله بالهداية والفلاح.
رسائل الآيات إلى المسلم:
الأولى: اجعل القرآن مرجعك الأول في حياتك.
الثانية: ازدد تقوى، يزدد قلبك انتفاعا بالقرآن.
الثالثة: عظم الإيمان بالغيب، فهو أساس العقيدة.
الرابعة: حافظ على الصلاة، فهي عمود الاستقامة.
الخامسة: اجعل للإنفاق نصيبا دائما من مالك.
السادسة: آمن بجميع رسل الله، ووحدة رسالتهم.
السابعة: عش للآخرة أكثر مما تعيش للدنيا.
إن أول سورة البقرة تعلمنا أن الهداية ليست أمنية تقال بالألسنة، بل صفات تبنى في القلوب، وأعمال تظهر في الجوارح، ويقين يملأ النفس. فمن أراد أن يكون من أهل القرآن حقا، فليعرض نفسه على هذه الآيات، فإن وجدها فيه فليحمد الله، وإن وجد تقصيرا فباب الهداية مفتوح، والقرآن لا يزال يهدي للتي هي أقوم.
معاني مفردات الآيات:
الم: من الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن، وقد اختلفوا في مرادها كثيرا.
ذلك الكتاب: أي هذا القرآن العظيم.
لا ريب فيه: لا شك في أنه من عند الله.
هدى: دلالة وإرشاد إلى الحق.
للمتقين: الذين يجعلون بينهم وبين عذاب الله وقاية بطاعته واجتناب معصيته.
يؤمنون بالغيب: يصدقون بكل ما غاب عن حواسهم مما أخبر الله ورسوله به.
يقيمون الصلاة: يؤدونها محافظة على أركانها وشروطها وخشوعها.
ومما رزقناهم ينفقون: يبذلون مما أعطاهم الله في وجوه الخير الواجبة والمستحبة.
بما أنزل إليك: القرآن الكريم.
وما أنزل من قبلك: الكتب التي أنزلها الله على الرسل السابقين، كالتوراة والإنجيل والصحف ونحوها.
وبالآخرة هم يوقنون: يوقنون يقينا جازما بالبعث، والحساب والجنة والنار.
أولئك على هدى من ربهم: ثابتون على هداية وتوفيق من الله.
المفلحون: الفائزون بكل خير في الدنيا والآخرة.