الأحد 11 صفر 1448 هـ || الموافق 26 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 6

بيوت الله، ووحدة القبلة، وسعة ملك الله

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (37)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿**وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝١١٣ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١١٤ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ۝١١٥﴾.

تكشف هذه الآيات عن آفة عظيمة من آفات أهل الأهواء، وهي التعصب الذي يحمل صاحبه على رد الحق عند غيره، ولو كان هو نفسه يقرأ كتاب الله.

قال سبحانه:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.

أي إن كل فريق أبطل الآخر إبطالًا مطلقًا، مع أن كتبهم تتضمن أصل الإيمان بالله، وفيها البشارة بالأنبياء، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم، لكن التعصب والحسد غلبا على قلوبهم، فأنكر كل فريق ما عند الآخر من الحق.

ثم قال تعالى:
﴿كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.

فكل من تكلم في دين الله بغير علم، أو رد الحق تعصبًا، فقد شابه هؤلاء، ولذلك كان العلم الشرعي سببًا للاجتماع، والجهل سببًا للفرقة والاختلاف.

ثم ختم الله الآية بقوله:
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.

فالحكم النهائي ليس لأهواء الناس ولا لادعاءاتهم، وإنما لله وحده يوم القيامة، وهو الحكم العدل الذي لا يظلم أحدًا.

ثم بين الله جريمة أخرى عظيمة فقال:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾.

أي لا أحد أشد ظلمًا ممن حال بين الناس وبين عبادة الله، أو سعى في خراب المساجد، سواء بهدمها، أو بإغلاقها ظلمًا، أو بمنع إقامة الصلاة والذكر فيها، أو بصرف الناس عنها بالبدع والمعاصي.

وخراب المساجد نوعان: خراب حسي بهدمها وإفسادها، وخراب معنوي بمنع ذكر الله فيها وتعطيل رسالتها.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة).

ثم قال سبحانه:
﴿أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾.

أي ليس اللائق بحالهم إلا الذلة والخوف؛ لأنهم حاربوا بيوت الله، فجوزوا بضد قصدهم.

ثم توعدهم بقوله:
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

فمن حارب دين الله وأطفأ نور العبادة، ناله من الخزي في الدنيا بقدر جرمه، ثم ينتظره العذاب إن لم يتب إلى الله.

ثم قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.

أي أن ملك المشارق والمغارب كلها لله، وهو سبحانه محيط بخلقه، يعلم أحوالهم، فلا يخرج أحد عن سلطانه.

وهذه الآية تشمل من صلى بعد الاجتهاد ثم تبين له الخطأ في القبلة، وتشمل صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت به، كما تدل على أن الله لا يختص بمكان دون مكان، فهو سبحانه فوق سماواته مستوٍ على عرشه، ومع ذلك علمه وإحاطته وسلطانه شامل لكل شيء.

وليس معنى قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أن الله حالٌّ في كل مكان، فهذا مخالف لعقيدة أهل السنة، وإنما المعنى: فثم الجهة التي أمركم الله باستقبالها، أو فثم وجه الله الذي تتوجهون إليه طاعة له، والله مطلع عليكم أينما كنتم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(إذا قام أحدكم في الصلاة، فلا يبصق قبل وجهه؛ فإن الله قبل وجهه إذا صلى).

أي أن الله مطلع على عبده ومقبل عليه، لأنه أحاط بكل شيء علما، لا أن ذاته سبحانه حلت جهة القبلة، تعالى الله عن ذلك.

ثم ختم الله الآية بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

فهو واسع الفضل والرحمة، واسع الملك، عليم بالنيات والأعمال، يعلم من أطاعه ومن عصاه، ومن اجتهد في طلب الحق ومن أعرض عنه.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: التعصب يعمي القلب عن قبول الحق، ولو كان صاحبه يقرأ كتاب الله.
الثانية: لا يجوز الكلام في دين الله بغير علم، فالجهل أصل كثير من الانحرافات.
الثالثة: من أعظم القربات إعمار المساجد بالصلاة والذكر والعلم، ومن أعظم الجرائم السعي في خرابها حسًا أو معنًى.
الرابعة: الحكم العادل في جميع الخلافات هو حكم الله، فارجع إلى الوحي عند النزاع.
الخامسة: الأرض كلها ملك لله، فلا يتعلق القلب بالأماكن، وإنما يتعلق برب الأماكن.
السادسة: رحمة الله واسعة، ومن صدق في طلب الحق هداه الله إليه.
السابعة: بيوت الله ينبغي أن تكون عامرة بالإيمان والقرآن والعلم، لا بالغفلة والخصومات.

إن هذه الآيات تعلم المؤمن أن الحق لا يعرف بكثرة الأتباع ولا بدعاوى الطوائف، وإنما يعرف بالوحي المنزل، وأن من أشرف الأعمال تعظيم بيوت الله وإحياؤها بالطاعة، وأن الله سبحانه واسع الفضل، عليم بالقلوب، فمن أقبل عليه مخلصًا هداه، ومن عظم شعائره رفعه، ومن لازم القرآن والصلاة عمر الله قلبه كما تعمر المساجد بذكره.

معاني مفردات الآيات

على شيء: على دين صحيح.
الذين لا يعلمون: الجهال الذين يتكلمون بغير علم.
سعى في خرابها: عمل على هدمها أو تعطيل العبادة فيها.
خزي: ذل وفضيحة.
فثم وجه الله: فهناك الجهة التي أمركم الله باستقبالها، والله مطلع عليكم.
واسع: واسع الفضل والرحمة والملك.
عليم: لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده ولا نياتهم.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام