الثلاثاء 29 محرم 1448 هـ || الموافق 14 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 12

الهداية: مفتاح الأمن الأبدي

[ضمن سلسلة نور القرآن - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (11)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٣٨ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ۝٣﴾.

بعد أن بينت الآيات السابقة بداية حياة الإنسان في الأرض، وقصة زلة آدم عليه السلام، وفتح باب التوبة له، جاءت هذه الآيات لتبين أن وجود الإنسان في الدنيا لم يكن نهاية الرحمة، بل كان بداية طريق الهداية.

فلم يترك الله عباده هملا، ولم يكلهم إلى عقولهم وأهوائهم، وإنما تكفل بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإقامة الحجة، حتى لا يهلك أحد إلا بعد البيان، ولا ينجو أحد إلا باتباع هدى الرحمن.

تبدأ الآيات بقوله تعالى:
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى﴾.

كان الهبوط من الجنة انتقالا من نعيم إلى ابتلاء، ومن موطن الجزاء إلى موطن العمل.

ففي هذه الأرض يعيش الإنسان سنوات معدودة، ثم تنتهي رحلته ليعود إلى ربه، فيلقى جزاء ما قدمت يداه.

ولهذا لم يجعل الله الدنيا دار استقرار دائم، وإنما جعلها ممرا إلى الآخرة، وساحة يتنافس فيها الناس في الإيمان والعمل الصالح، فمن فهم حقيقة الدنيا لم يغتر بزخارفها، ولم يبع آخرته بشهوة زائلة أو متاع قليل.

ثم قال سبحانه:
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى﴾.

وهذه من أعظم آيات الرحمة في القرآن؛ فإن الله لما أنزل آدم وذريته إلى الأرض، لم يتركهم يتخبطون في ظلمات الجهل، بل وعدهم أن يرسل إليهم الهدى.

وهذا الهدى يشمل جميع ما أنزله الله على أنبيائه من الوحي، وما جاءت به الرسل من العقيدة الصحيحة، والعبادة، والأخلاق، والعدل، والإصلاح.

فمن أراد معرفة الطريق إلى الله فلن يجده في الأهواء، ولا في الفلسفات البشرية، وإنما يجده في الوحي الذي أنزله الله رحمة للعالمين.

وقد قال رسول الله كما في الحديث الحسن بمجموع شواهده وطرقه كما اخرجه مالك وغيره:
(تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي).

ولذلك كانت أعظم نعمة بعد نعمة الخلق هي نعمة الهداية؛ لأن الإنسان قد يحيا بجسده، ولكنه لا يحيا بقلبه إلا بنور الوحي.

ثم قال تعالى:

﴿فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٣٨﴾.

إنها كلمة تجمع سعادة الدنيا والآخرة كلها.

فمن اتبع هدى الله أمن مما يستقبله، فلا خوف عليه من مستقبل ينتظره؛ لأن الله معه، ولا يحزن على ما مضى؛ لأنه يعلم أن ربه أرحم به من نفسه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

وليس معنى ذلك أن المؤمن لا يبتلى، أو لا يحزن بطبعه، فقد يحزن ويمرض ويتألم، ولكن قلبه يبقى مطمئنا بوعد الله، راضيا بقضائه، واثقا بأن العاقبة للمتقين.

وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن فقال كما في صحيح مسلم:
(عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له).

فإذا جاءت ساعة الموت استبشر بلقاء ربه، وإذا قام الناس للحساب كان في أمان الله، وإذا عبر الصراط قاده الله إلى جناته، فزال عنه كل خوف، وانقطع عنه كل حزن.

وما أجمل أن يربط الله الأمن الحقيقي باتباع الهدى، لا بكثرة المال، ولا بعظم السلطان، ولا بقوة الجسد؛ لأن الأمن الذي يمنحه الإيمان لا يملكه أحد من البشر.

ثم قال سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَـٰتِنَآ﴾.

ولم يقل: والذين أخطؤوا أو قصروا، وإنما خص الكفر والتكذيب؛ لأن أعظم أسباب الهلاك هو رد الحق بعد معرفته، والإعراض عن الوحي بعد قيام الحجة.

فالكافر لم يهلك لأن الأدلة غابت عنه، وإنما لأنه أعرض عنها، وكذب بآيات الله، واستكبر عن اتباعها، كما فعل إبليس من قبل.

ثم ختم الله الآيات بقوله:
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ۝٣٩﴾.

وسماهم أصحاب النار؛ لأنهم لازموها، وصارت مستقرا لهم بسبب اختيارهم طريق الكفر والتكذيب.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري:
(كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).

وهذا هو العدل الإلهي؛ فمن اختار طريق الهدى فله الجنة، ومن أصر على الكفر بعد قيام الحجة فله النار، وما ربك بظلام للعبيد.

ولو تأملنا أحوال الناس اليوم، لرأينا أن البشرية تبحث عن الأمن في المال، والمناصب، والقوة، والتقنيات، ومع ذلك لا يزال الخوف يملأ القلوب، والقلق يعصف بالنفوس.

والسبب أن الأمن الحقيقي لا يصنعه الإنسان، وإنما يصنعه الإيمان.

فمن اهتدى بهدى الله عاش مطمئن القلب، ولو كان قليل المال، ومن أعرض عن ربه عاش مضطرب النفس، ولو ملك الدنيا بأسرها.

ولهذا تعلمنا هذه الآيات أن الدنيا ليست نهاية المطاف، وإنما طريق إلى الآخرة، وأن الله لم يترك الإنسان بلا هداية، وأن النجاة كلها في اتباع الوحي، وأن الخوف والحزن الحقيقيين إنما يلازمان من أعرض عن الله، أما أهل الإيمان فإن لهم الأمن في الدنيا، والبشارة عند الموت، والنجاة يوم القيامة، والخلود في جنات النعيم.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: تذكر دائما أن الدنيا دار عمل، وليست دار قرار.
الثانية: الزم هدى الله في كل شأن من شؤون حياتك، فهو طريق النجاة.
الثالثة: لا تقدم رأيا ولا هوى على كتاب الله وسنة رسوله.
الرابعة: اجعل القرآن قائد حياتك، ففيه الأمن والسعادة والطمأنينة.
الخامسة: لا تغتر بزينة الدنيا، فإنها مرحلة قصيرة يعقبها الحساب.
السادسة: احمد الله على نعمة الهداية، فهي أعظم من كل نعمة دنيوية.
السابعة: أكثر من دعاء الله أن يثبتك على الهدى حتى تلقاه.

هذه الآيات ترسم للإنسان طريق حياته كلها؛ فقد بدأ الطريق بالهبوط من الجنة، ثم بين الله سبيل الهداية، ثم أخبر بمصير الفريقين. فمن جعل الوحي إمامه، والإيمان زاده، والطاعة طريقه، فاز بالأمن في الدنيا، والبشارة عند الموت، والنجاة يوم القيامة. ومن أعرض عن هدى الله، واختار طريق الكفر والتكذيب، فقد اختار لنفسه طريق الخسران، والله لا يظلم أحدا، وإنما الناس أنفسهم يظلمون.

معاني مفردات الآيات

اهبطوا: انزلوا من الجنة.
هدى: الوحي الذي أنزله الله على رسله، وما يهدي إلى الحق.
تبع هداي: عمل بوحي الله واستقام عليه.
فلا خوف عليهم: لا يخافون مما يستقبلونه من أهوال الآخرة.
ولا هم يحزنون: لا يحزنون على ما فاتهم بعد دخولهم في رحمة الله.
كفروا: جحدوا بالله ورسله.
كذبوا بآياتنا: أنكروا دلائل الله ووحيه.
أصحاب النار: الملازمون لها.
خالدون: ماكثون فيها أبدا.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام