الأحد 27 محرم 1448 هـ || الموافق 12 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    التفسير الإيماني للقرآن الكريم    ||    عدد المشاهدات: 6

لماذا يفسد المنافقون وهم يزعمون الإصلاح؟

[ضمن سلسلة التفسير الإيماني للقرآن الكريم، الحلقة رقم (4)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ).

بعد أن كشف القرآن حقيقة النفاق، وبين أن أصله مرض في القلب، انتقل إلى بيان أخلاق المنافقين وسلوكهم في المجتمع؛ لأن فساد العقيدة لا يبقى حبيس القلب، بل يظهر في الأقوال والأعمال، ويؤثر في الناس من حولهم.

تبدأ الآيات بقوله تعالى:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ).

فالمنافق لا يرى نفسه مخطئا، بل يلبس الباطل ثوب الحق، ويصور الإفساد على أنه إصلاح، فيدعو إلى ما يخالف شرع الله، ويظن أنه يحسن صنعا، أو يتظاهر بذلك ليخدع الناس. وهذه من أخطر صور الانحراف؛ لأن صاحبها لا يشعر بحاجته إلى التوبة.

ولهذا جاء الرد الإلهي الحاسم:
(أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ).

فالحقيقة لا تتغير بكثرة الدعاوى، ولا بالأسماء الجميلة، فكل عمل خالف هدي الله فهو فساد، وإن سماه أصحابه إصلاحا، وكل دعوة تهدم الدين أو الأخلاق أو وحدة المسلمين فهي من الإفساد في الأرض، مهما رفعت من شعارات براقة.

ثم يقول سبحانه:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ).

لقد نظر المنافقون إلى المؤمنين بعين الكبر، فاحتقروا أهل الإيمان، ووصفوهم بالسفه؛ لأنهم قاسوا الأمور بمقاييس الدنيا، ورأوا أن التمسك بالحق يفوت بعض المصالح العاجلة، فاستكبروا عن اتباع المؤمنين.

لكن القرآن قلب الموازين فقال:
(أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ).

فالسفيه حقا ليس من أطاع الله، وإنما من باع آخرته بدنياه، وترك الهدى من أجل هوى أو منفعة زائلة، فالذكاء الحقيقي هو حسن العاقبة، لا مجرد تحصيل المكاسب المؤقتة.

ثم يكشف الله ازدواجية شخصيتهم بقوله:
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ).

فهم أصحاب وجوه متعددة، يظهرون للمؤمنين المحبة والإيمان، فإذا رجعوا إلى رؤوس الكفر والنفاق أكدوا ولاءهم لهم، وزعموا أن ما أظهروه للمؤمنين ليس إلا استهزاء وخداعا. وهكذا يعيش المنافق ممزق الشخصية، لا يثبت على مبدأ، ولا يطمئن إلى طريق.

ثم يقول تعالى:
(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).

أي أن الله يجازيهم على استهزائهم، فيمهلهم ويتركهم يتمادون في ضلالهم حتى يزدادوا حيرة واضطرابا، فيظنون أن ما هم فيه نجاح، وهو في الحقيقة استدراج وعقوبة.

ثم ختمت الآيات بمشهد بليغ من أعظم أمثلة القرآن:
(أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ).

شبه الله حياتهم بالتاجر الذي كانت بين يديه سلعة نفيسة، فباعها بأبخس الأثمان، فخسر رأس ماله وربحه معا. وهكذا المنافق؛ كان طريق الهداية مفتوحا أمامه، لكنه آثر الضلالة، فكانت صفقته أفدح الخسائر.

ولو تأملنا واقع الناس اليوم، لرأينا أن كثيرا من صور الفساد تبدأ بتغيير الأسماء والحقائق؛ فيسمى الانحراف حرية، ويسمى التفريط تقدما، ويسمى التنازل عن المبادئ حكمة، ويزعم أصحاب الباطل أنهم أهل الإصلاح، بينما هم يفسدون في العقائد والأخلاق والقيم. ولذلك يعلمنا القرآن أن الميزان ليس الشعارات، وإنما موافقة العمل لشرع الله.

كما تعلمنا هذه الآيات أن الكبر يمنع صاحبه من رؤية الحق، وأن ازدواجية الشخصية تفسد الدين والدنيا، وأن من استبدل هدى الله بأهواء الناس فلن يجني إلا الخسارة، مهما بدا له في البداية أنه قد ربح.

رسائل الآيات إلى المسلم:

الأولى: لا تجعل هواك يحول بينك وبين الاعتراف بالحق إذا تبين لك.
الثانية: احذر أن تسمي المعصية إصلاحا، أو تزين الباطل بالألفاظ الجميلة.
الثالثة: لا تحتقر أهل الإيمان والاستقامة، فإن الكرامة عند الله بالتقوى.
الرابعة: اجعل ظاهرك موافقا لباطنك، فالمؤمن صادق مع الله ومع الناس.
الخامسة: لا تغتر بإمهال الله للعصاة، فقد يكون استدراجا لا إكراما.
السادسة: قس نجاحك بسلامة دينك، لا بكثرة مكاسب الدنيا.
السابعة: تمسك بالهداية، فإن من باعها لم يربح أبدا.

إن هذه الآيات تعلمنا أن أخطر الخسارة ليست فقد المال أو الجاه، وإنما أن يخسر الإنسان قلبه وهدايته، فيرى الباطل حقا، والحق باطلا، ويظن أنه مصلح وهو من أعظم المفسدين. ومن وفقه الله للصدق والإخلاص، وألزمه طريق المؤمنين، فقد فاز بأعظم تجارة، وهي تجارة الإيمان التي لا تبور.

معاني مفردات الآيات:

لا تفسدوا في الأرض: لا تنشروا المعاصي والضلال وما يخل بأمر الدين والدنيا.
إنما نحن مصلحون: نزعم أننا أهل إصلاح وخير.
المفسدون: الذين ينشرون الفساد حقيقة.
لا يشعرون: لا يدركون حقيقة حالهم.
آمنوا كما آمن الناس: آمنوا إيمانا صادقا كإيمان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
السفهاء: خفاف العقول وضعفاء الرأي.
ولكن لا يعلمون: لجهلهم بحقيقة السفه.
خلوا: انفردوا وابتعدوا عن الناس.
شياطينهم: رؤساؤهم في الكفر والنفاق والضلال.
إنا معكم: نحن على دينكم وطريقتكم.
إنما نحن مستهزئون: نظهر الإيمان سخرية وخداعا.
يمدهم: يمهلهم ويزيدهم.
في طغيانهم: في تجاوزهم الحد في الكفر والمعصية.
يعمهون: يتحيرون ويترددون في ضلالهم.
اشتروا الضلالة بالهدى: استبدلوا الكفر بالإيمان.
فما ربحت تجارتهم: لم يجنوا من صفقتهم إلا الخسران.
وما كانوا مهتدين: لم يكونوا على طريق الحق والفلاح.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام