الأحد 27 محرم 1448 هـ || الموافق 12 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    التفسير الإيماني للقرآن الكريم    ||    عدد المشاهدات: 15

لماذا كفر بعض الناس رغم وضوح الحق؟

[ضمن سلسلة التفسير الإيماني للقرآن الكريم، الحلقة رقم(3)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).

ليس كل من سمع الحق قبله، ولا كل من رأى الأدلة اهتدى بها، فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في وضوح الحقيقة، وإنما في استعداد القلب لقبولها.

فبعد أن بين الله صفات المؤمنين الذين انتفعوا بالقرآن، انتقلت سورة البقرة إلى الصنف المقابل، لتبين أسباب الحرمان من الهداية، ثم ذكرت بعدهم المنافقين، حتى يعلم الإنسان إلى أي طريق ينتمي.

تبدأ الآيات بقوله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).

وهذه ليست صفة لكل كافر في بداية أمره، وإنما هي لمن أصر على الكفر، وعاند الحق بعد أن عرفه، حتى أغلق على نفسه أبواب الهداية، فلم يعد ينتفع بالموعظة، ولا تؤثر فيه النصيحة؛ لأن قلبه اختار طريق الإعراض.

ثم يبين الله سبب هذا الحال فيقول:

(خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ).

فالختم لم يكن ظلما لهم، وإنما كان جزاء لإصرارهم المتكرر على رد الحق، فمن أغلق قلبه عن النور مرة بعد مرة، ختم الله عليه، فلا يفقه الحق، ولا يسمعه سماع قبول، ولا يبصر دلائل الهدى إبصار اعتبار.

ولهذا ختمت الآية بقوله:

(وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

لأنهم لم يضلوا جهلا فحسب، بل أعرضوا عن الحق بعد قيام الحجة عليهم.

ثم تنتقل السورة إلى صنف هو أشد خطرا على المجتمع، وهم المنافقون.

قال تعالى:

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ).

فالمنافق لا يعلن الكفر، بل يتستر بثوب الإيمان، ويظهر للناس ما ليس في قلبه، فيعيش بوجهين: وجه مع المؤمنين، ووجه مع الكافرين.

ثم يكشف القرآن حقيقة حالهم بقوله:

(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).

وهم يظنون أنهم أذكى من غيرهم، وأنهم قادرون على خداع المؤمنين، لكن الله يعلم السر وأخفى، فلا تنطلي عليه الحيل، وإنما يعود ضرر نفاقهم عليهم؛ لأنهم أول من يخسر دينه ودنياه.

ثم يكشف القرآن أصل الداء كله:

(فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ).

وليس المرض هنا مرض الجسد، وإنما مرض الشك، والنفاق، وحب الشهوات، وحب الرياسة، والحسد، وسائر أمراض القلوب التي تمنع صاحبها من التسليم لله.

ثم يقول سبحانه:

(فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا).

فمن أعرض عن علاج قلبه بالقرآن والإيمان، عوقب بأن يزداد مرضه، كما أن المؤمن كلما ازداد طاعة ازداد إيمانا، فكذلك المنافق كلما تمادى في نفاقه ازداد قلبه ظلمة وقسوة.

ثم ختم الله الآيات بقوله:

(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).

فالكذب أصل النفاق، ومن اعتاد الكذب على الناس، سهل عليه أن يكذب على نفسه، ثم يلقى الله بقلب مريض لا يشعر بخطر ما هو فيه.

ولو تأملنا واقع الناس اليوم، لرأينا أن كثيرا من الانحرافات بدأت من أمراض القلوب؛ فالكبر يمنع صاحبه من قبول الحق، والحسد يفسد علاقته بالناس، وحب الدنيا يعميه عن الآخرة، والنفاق يجعله يعيش حياة مليئة بالقلق والتناقض.

ولهذا فإن القرآن لا يكتفي بإصلاح الظاهر، بل يبدأ بإصلاح القلب؛ لأنه إذا صلح القلب صلح العمل كله، وإذا فسد القلب فسدت حياة الإنسان كلها.

لقد قسمت أول سورة البقرة الناس إلى ثلاثة أصناف: مؤمن اهتدى، وكافر أعرض، ومنافق أظهر غير ما أبطن. وأخطر هذه الأصناف المنافق؛ لأنه يعيش بين المسلمين، ويتكلم بلسانهم، بينما قلبه بعيد عن الإيمان، ولذلك أطال القرآن الحديث عنه؛ تحذيرا من صفاته، ودعوة إلى تطهير القلوب من كل لون من ألوان النفاق.

رسائل الآيات إلى المسلم:

الأولى: لا تؤخر قبول الحق، إذا تبين لك، فإن الإصرار على الباطل قد يحرم القلب من الهداية.
الثانية: احفظ قلبك من الكبر والعناد، فهما من أعظم أسباب الخذلان.
الثالثة: احذر النفاق، واجعل ظاهرك موافقا لباطنك.
الرابعة: داو أمراض قلبك بالقرآن، والذكر، والإخلاص، وكثرة التوبة.
الخامسة: لا تغتر بالمظاهر، فالعبرة بما استقر في القلب وصدقه العمل.
السادسة: الصدق نجاة، والكذب طريق إلى النفاق والهلاك.
السابعة: أكثر من سؤال الله الثبات، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

إن هذه الآيات تعلمنا أن أخطر ما يصيب الإنسان ليس مرض الجسد، وإنما مرض القلب؛ فالقلب إذا امتلأ بالإيمان أبصر الحق واتبعه، وإذا استولى عليه الكبر والنفاق والهوى، حجب صاحبه عن نور الهداية. ولذلك كان أعظم ما يعتني به المؤمن سلامة قلبه، حتى يلقى الله بقلب سليم.

معاني مفردات الآيات:

الذين كفروا: الذين جحدوا الحق وستروه بعد ظهوره.
سواء عليهم: متساو عندهم.
أأنذرتهم: أخوفتهم وحذرتهم.
ختم الله: طبع وأغلق.
على قلوبهم: على مواضع الفهم والإدراك.
وعلى سمعهم: فلا يسمعون سماع قبول وانتفاع.
غشاوة: غطاء يحجبهم عن رؤية الحق.
عذاب عظيم: عقوبة شديدة.
ومن الناس: ومن جملة البشر.
وما هم بمؤمنين: ليس الإيمان مستقرا في قلوبهم.
يخادعون: يظهرون خلاف ما يبطنون طلبا للخداع.
وما يخدعون إلا أنفسهم: لأن وبال خداعهم راجع عليهم.
في قلوبهم مرض: شك ونفاق وفساد في الباطن.
فزادهم الله مرضا: زادهم ضلالا وخذلانا بسبب إصرارهم.
عذاب أليم: عذاب موجع شديد.
بما كانوا يكذبون: بسبب كذبهم على الله وعلى الناس، أو تكذيبهم بالحق.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام