الأحد 27 محرم 1448 هـ || الموافق 12 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    التفسير الإيماني للقرآن الكريم    ||    عدد المشاهدات: 5

لماذا دعا الله الناس جميعا إلى عبادته؟

[ضمن سلسلة التفسير الإيماني للقرآن الكريم، الحلقة رقم (6)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).

بعد أن بينت سورة البقرة أصناف الناس الثلاثة: المؤمنين، والكافرين، والمنافقين، جاء هذا النداء العظيم موجها إلى البشرية كلها، يدعوهم إلى أصل الدين الذي قامت عليه رسالات الأنبياء جميعا، وهو عبادة الله وحده، ثم أقام الدليل على استحقاقه للعبادة، وأتبع ذلك بأعظم برهان على صدق القرآن، وختم بالتحذير من عاقبة الإعراض عنه.

تبدأ الآيات بقوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

إن أول حق لله على عباده أن يعبدوه وحده، لأنه هو الخالق الرازق المدبر، وكل نعمة يتمتع بها الإنسان فهي من فضله سبحانه. ولهذا بدأ القرآن بذكر أعظم سبب يدعو إلى عبادته، وهو أنه الخالق للإنسان وللأمم السابقة، فمن خلق هو وحده المستحق أن يعبد، لا شريك له.

ثم يذكر الله بعض نعمه الدالة على ربوبيته، فيقول:
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ).

فالأرض مهيأة ليستقر عليها الإنسان، والسماء محفوظة مرفوعة فوقه، والمطر ينزل فيحيي الأرض بعد موتها، فتخرج الثمار المختلفة رزقا للعباد. وكل هذه النعم يراها الإنسان كل يوم، وهي تناديه بأن لهذا الكون ربا واحدا يدبره بحكمة وقدرة ورحمة.

ثم يأتي أعظم ما يترتب على ذلك كله:
(فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ).

فإذا كان الله وحده هو الخالق والمنعم، فلا يجوز أن يجعل له شريك في العبادة، أو الدعاء، أو الرجاء أو المحبة التي لا تكون إلا لله. ولهذا كان الشرك أعظم الذنوب؛ لأنه صرف حق الخالق إلى غيره، مع أن الإنسان يعلم أن أحدا لا يخلق ولا يرزق إلا الله.

ثم ينتقل القرآن إلى دليل آخر، وهو دليل الوحي، فيقول:
(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ).

لقد تحدى الله العرب، وهم أهل البلاغة والفصاحة، أن يأتوا بسورة واحدة تماثل القرآن في بيانه وهدايته وإعجازه، فإن كانوا يزعمون أنه من كلام البشر، فليأتوا بمثله، وليستعينوا بمن شاءوا من الخلق.

ثم قال سبحانه:
(وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).

أي استعينوا بكل من تقدرون عليه، فلن تستطيعوا مع ذلك أن تأتوا بمثل هذا القرآن؛ لأنه كلام الله، وليس كلام البشر.

ثم حسم الله القضية بقوله:
(فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا).

فلم يكتف ببيان عجزهم في ذلك الزمن، بل أخبر أنهم لن يستطيعوا ذلك أبدا، وقد مضت القرون، وتحدي القرآن قائم، ولم يستطع أحد أن يعارضه، فكان ذلك من أعظم دلائل صدقه.

ثم ختمت الآيات بالتحذير الشديد:
(فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).

فمن أعرض عن هذا القرآن، بعد قيام الحجة عليه، فقد عرض نفسه لعذاب الله. والنار التي وصفها الله هنا ليست كنار الدنيا، بل هي نار عظيمة، وقودها الناس والحجارة، أعدها الله جزاء لمن كفر به وبرسوله.

ولو تأملنا واقع الناس اليوم، لرأينا أن كثيرا منهم يبحثون عن السعادة في المال أو الشهرة أو القوة، وينسون أن أول واجب عليهم هو عبادة الله وحده. كما أن كثيرا من الشبهات التي تثار حول القرآن سرعان ما تتهاوى أمام تدبره وإنصاف الباحث عن الحق، فالقرآن لا يزال يتحدى البشرية كلها، وسيبقى كذلك إلى قيام الساعة.

ولهذا تعلمنا هذه الآيات أن التوحيد هو أساس الحياة، وأن نعم الله كلها تدعو إلى شكره وعبادته، وأن القرآن أعظم معجزة باقية، وأن النجاة لا تكون إلا بالإيمان بالله واتباع كتابه.

رسائل الآيات إلى المسلم:

الأولى: اجعل عبادة الله أعظم غاية في حياتك، فهي الحكمة التي خلقت من أجلها.
الثانية: أكثر من التفكر في نعم الله، فإنها تزيد الإيمان والمحبة والشكر.
الثالثة: احذر كل صور الشرك، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وخفيها.
الرابعة: ازدد يقينا بالقرآن، فهو كلام الله الذي أعجز الخلق جميعا.
الخامسة: لا تجعل الشبهات تزعزع يقينك، فإن الحق تؤيده البراهين الواضحة.
السادسة: تذكر أن الإعراض عن الوحي ليست له عاقبة إلا الخسارة في الدنيا والآخرة.
السابعة: اسأل الله دائما أن يجعلك من أهل التقوى الذين استجابوا لندائه وآمنوا بكتابه.

إن هذه الآيات تعلمنا أن الله لم يأمر بعبادته دون دليل، بل أقام على ذلك أوضح البراهين؛ فهو الخالق، والمنعم، والمنزل لهذا القرآن المعجز، فمن عرف هذه الحقائق ثم استجاب لربه فقد سلك طريق النجاة، ومن أعرض عنها بعد وضوحها فقد اختار لنفسه طريق الخسارة. ولذلك كان أول نداء في القرآن إلى الناس جميعا دعوة صريحة إلى توحيد الله، لأنه أساس كل خير في الدنيا والآخرة.

معاني مفردات الآيات:

اعبدوا: أفردوا الله بالطاعة والعبادة.
ربكم: خالقكم ومالك أمركم ومدبر شؤونكم.
لعلكم تتقون: لكي تنالوا التقوى وتنجوا من عذاب الله.
فراشا: ممهدة صالحة للعيش والاستقرار.
بناء: سقفا مرفوعا محكما.
أنزل من السماء ماء: أنزل المطر.
الثمرات: أنواع الفواكه والزروع.
أندادا: أمثالا وشركاء يعبدون مع الله.
في ريب: في شك.
على عبدنا: على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
فأتوا بسورة من مثله: ائتوا بسورة تماثله في بلاغته وإعجازه.
شهداءكم: أعوانكم وأنصاركم ومن تستعينون بهم.
لن تفعلوا: لن تقدروا على ذلك أبدا.
وقودها: ما توقد به النار وتشتعل.
أعدت للكافرين: هيئت عقوبة لمن كفر بالله ورسله.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام