الأحد 27 محرم 1448 هـ || الموافق 12 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    التفسير الإيماني للقرآن الكريم    ||    عدد المشاهدات: 5

كيف يخدع المنافق نفسه قبل أن يخدع غيره؟

[ضمن سلسلة التفسير الإيماني للقرآن الكريم، الحلقة رقم (5)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

بعد أن كشف القرآن حقيقة المنافقين، وبيّن فساد قلوبهم، وانتقد تناقض أقوالهم وأفعالهم، ضرب لهم مثلين عظيمين، يصوران حالهم تصويرا يراه الإنسان بعينيه، حتى يدرك أن النفاق ليس خطأ فكريا، بل هو ظلمة يعيشها صاحبها، وحيرة لا تنتهي.

تبدأ الآيات بالمثل الأول، فيقول سبحانه:
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ).

فالمنافق يشبه رجلا أوقد نارا في ليلة مظلمة، فلما أضاءت له الطريق، وانتفع بنورها، انطفأت فجأة، فعاد إلى الظلام أشد مما كان. وهكذا المنافق، رأى نور الإيمان، وعرف الحق، وخالط المؤمنين، لكنه لم يدخل الإيمان قلبه، فحرم نور الهداية، وبقي في ظلمات الشك والنفاق.

ولم يقل الله: ذهب الله بنارهم، وإنما قال:
(ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ).

لأن المقصود هو زوال النور الذي يهدي، أما النار فقد تبقى بما فيها من حرارة وإحراق، فالمنافق فقد الهداية، وبقيت عليه تبعات الكفر والنفاق وعقوباته.

ثم يصف الله حالهم بقوله:
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ).

فليس المراد أنهم فقدوا حواسهم، وإنما فقدوا الانتفاع بها؛ فلا يسمعون الحق سماع قبول، ولا ينطقون به، ولا يبصرون دلائله، ولذلك لا يرجعون إلى الهدى؛ لأن قلوبهم أغلقت على أنفسها أبواب الرجوع.

ثم ينتقل القرآن إلى مثل آخر، فيقول:
(أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ).

فالصيب هو المطر الغزير، وفي هذا المثل يعيش المنافق في جو مليء بالمخاوف والقلق، فهو كلما سمع آيات القرآن، أو أوامر الله، أو نذر الوعيد، اضطرب قلبه، وخاف على مصالحه، لأنه لم يسلم لله تسليما صادقا.

ولهذا قال سبحانه:
(يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ).

أي أنهم يكرهون سماع ما يزعج أهواءهم، ويحاولون الفرار من الحق، كما يضع الخائف أصابعه في أذنيه لئلا يسمع صوت الصاعقة، لكن الهروب من الحق لا ينجي صاحبه، والله محيط بهم علما وقدرة، فلا يفوتونه.

ثم يقول تعالى:
(يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا).

وهذه صورة دقيقة لتردد المنافق؛ فإذا وافق الإسلام مصلحته أقبل عليه، وإذا احتاج إلى تضحية، أو صبر، أو جهاد، أو بذل، توقف وتراجع. فهو يسير مع المصلحة، لا مع الحق، ولذلك كان إيمانه متقلبا لا ثبات فيه.

ثم ختم الله هذا المثل بقوله:
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

فالله قادر على أن يسلبهم ما بقي لهم من السمع والبصر، كما سلبهم نور الإيمان، وفي هذا تحذير لكل إنسان أن يحفظ نعم الله، وأن يستعملها في طاعته قبل أن يحرم بركتها.

ولو تأملنا واقع الناس اليوم، لرأينا أن كثيرا من الناس يقبلون على الدين ما دام يوافق رغباتهم، فإذا تعارض مع شهواتهم أو مصالحهم أعرضوا عنه، فيأخذون من الدين ما يوافق أهواءهم، ويتركون ما يخالفها. وهذه صورة تشبه ما وصفه القرآن في هذا المثل العظيم.

كما تعلمنا هذه الآيات أن الهداية ليست معرفة الحق فحسب، بل الثبات عليه، وأن أخطر ما يصيب الإنسان أن يتقلب بين الإيمان والهوى، فلا يستقر على طريق واضح، فيعيش عمره كله في الحيرة والاضطراب.

رسائل الآيات إلى المسلم:

الأولى: احرص على نور الإيمان، فإن فقده أعظم مصيبة تصيب القلب.
الثانية: لا تكتف بمعرفة الحق، بل اعمل به حتى يثبت الله قلبك عليه.
الثالثة: لا تجعل التزامك بالدين مرتبطا بالمصلحة أو الهوى.
الرابعة: استمع إلى القرآن بقلب منفتح، ولا ترد الحق إذا خالف رغباتك.
الخامسة: اسأل الله دائما الثبات، فإن القلوب تتقلب، ولا يثبتها إلا الله.
السادسة: استعمل سمعك وبصرك فيما يقربك إلى الله، فهما من أعظم نعمه.
السابعة: تذكر أن الهروب من أوامر الله لا يغير الحقيقة، وإنما يزيد صاحبه خسارة.

إن هذه الآيات تعلمنا أن النفاق ظلمة بعد نور، وحيرة بعد وضوح، وأن المؤمن الصادق كلما سمع آيات الله ازداد يقينا وثباتا، أما المنافق فإنه يعيش مترددا، لا يطمئن إلى الإيمان، ولا يجد راحة في الكفر، فيبقى حائرا حتى يلقى الله. فمن أراد النجاة، فليلزم طريق الصدق والإخلاص، وليتمسك بنور الوحي، فإنه النور الذي لا ينطفئ.

معاني مفردات الآيات:

استوقد نارا: أوقدها وأشعلها.
أضاءت ما حوله: أنارت ما يحيط به.
ذهب الله بنورهم: أزال عنهم نور الهداية.
ظلمات: ظلمات الكفر والشك والنفاق.
لا يبصرون: لا يهتدون إلى الحق.
صم: لا يسمعون سماع قبول.
بكم: لا ينطقون بالحق.
عمي: لا يبصرون دلائل الهدى.
صيب: مطر غزير نازل من السماء.
رعد: الصوت الشديد المصاحب للسحاب.
برق: اللمعان الذي يشق السحاب.
الصواعق: ما ينزل مع البرق من المهلكات.
حذر الموت: خوفا من الهلاك.
محيط بالكافرين: لا يفوتونه علما ولا قدرة.
يخطف أبصارهم: يكاد يذهب بها من شدة لمعانه.
كلما أضاء لهم مشوا فيه: كلما ظهر لهم ما يوافق أهواءهم تقدموا.
وإذا أظلم عليهم قاموا: إذا اشتد عليهم الأمر توقفوا وتحيروا.

قدير: كامل القدرة على كل شيء.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام