الثلاثاء 29 محرم 1448 هـ || الموافق 14 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    التفسير الإيماني للقرآن الكريم    ||    عدد المشاهدات: 18

لماذا خلق الله ما في الأرض جميعا؟

[ضمن سلسلة التفسير الإيماني للقرآن الكريم، الحلقة رقم (8)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
(هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم).

بعد أن أقامت الآيات السابقة أعظم الأدلة على وحدانية الله، وذكرت خلق الإنسان وإحياءه وإماتته ورجوعه إلى ربه، جاءت هذه الآية لتفتح أمام القلب صفحة جديدة من صفحات التأمل في نعم الله وآيات قدرته، فتلفت نظر الإنسان إلى العالم الذي يعيش فيه، وإلى الكون الذي أحاطه الله به، ليعلم أن كل ما يراه من نعم الأرض، وكل ما يشاهده من إحكام السماء، إنما هو شاهد ناطق بأن لهذا الكون ربا واحدا، خلق فأبدع، وقدر فأحكم، ودبر فأتقن، فلا يستحق العبادة سواه.

تبدأ الآية بقوله تعالى:
(هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا).

إنها آية تمتلئ رحمة وإحسانا؛ فالله لم يقل: خلق الأرض فقط، وإنما قال: (خلق لكم ما في الأرض جميعا)، أي خلق كل ما فيها من جبال وأنهار، وبحار وأشجار، ومعادن وزروع، وحيوان وهواء وماء، وجعلها مسخرة لمصلحة الإنسان، ينتفع بها في دينه ودنياه.

فالشمس التي تشرق كل يوم، والمطر الذي ينزل من السماء، والهواء الذي يتنفسه الإنسان، والأرض التي يمشي عليها، والغذاء الذي يقتات به، والدواء الذي يتعالج به، كلها من خلق الله وتسخيره، لم يصنع الإنسان أصلها، وإنما اكتشف بعض ما أودع الله فيها من المنافع.

ولو شاء الله لجعل الأرض صخرة لا تنبت، أو بحارا لا تشرب، أو هواء لا يتنفس، أو شمسا لا تشرق، ولكن رحمته اقتضت أن يهيئ هذا الكون ليكون صالحا لحياة الإنسان، حتى يعرف ربه من خلال نعمه، ويعبده شكرا لإحسانه.

وليس معنى قوله: (خلق لكم) أن للإنسان أن يفسد في الأرض أو يستعمل نعم الله في معصيته، بل معناه أن ينتفع بها فيما يرضي خالقها، فكل نعمة تستعمل في طاعة الله فهي شكر، وكل نعمة تستعمل في معصيته فهي كفران لها.

ثم قال سبحانه:
(ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات).

بعد أن ذكر ما في الأرض، رفع أبصار العباد إلى السماء، ليعلموا أن الذي أبدع هذا البناء العظيم هو رب واحد لا شريك له.

فالسماء ليست سقفا عشوائيا، وإنما بناء محكم، خلقه الله في غاية الإتقان، فسوى سبع سماوات، لا خلل فيها ولا اضطراب، ولا تصادم بين أجرامها، ولا اختلال في نظامها، بل يسير هذا الكون كله بأمر الله منذ خلقه إلى قيام الساعة.

وكلما تقدم العلم، ازداد الناس يقينا بعظمة هذا النظام، وأن هذا الإحكام لا يمكن أن يكون وليد المصادفة، وإنما هو أثر علم الله وحكمته وقدرته.

ثم ختم الله الآية بقوله:
(وهو بكل شيء عليم).

وهذا ختام عظيم؛ لأن الخلق المحكم لا يكون إلا عن علم كامل.

فعلمه سبحانه أحاط بكل شيء؛ يعلم عدد قطرات المطر، وأوراق الأشجار، وحركات الكواكب، ودبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويعلم ما توسوس به النفوس، وما تخفيه الصدور، وما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.

ومن أيقن بأن الله بكل شيء عليم، استحيا أن يراه حيث نهاه، وحرص أن يجده حيث أمره، وعاش مراقبا لربه في سره وعلانيته.

ولو تأمل الإنسان حياته، لوجد أنه ينتفع كل يوم بآلاف النعم التي لم يسع في إيجادها، فهو يستيقظ على أرض ممهدة، ويتنفس هواء لم يصنعه، ويشرب ماء لم يخلقه، ويأكل رزقا أنبته الله، ثم ربما ينسى المنعم، ويشكر الأسباب وينسى رب الأسباب.

ولهذا فإن أعظم رسالة تبعثها هذه الآية إلى القلب أن الكون كله كتاب مفتوح يدل على الله، وأن كل نعمة فيه تنادي الإنسان: اعرف ربك، واشكره، وأطعه، ولا تجعل ما سخره الله لك وسيلة إلى معصيته.

إن الحضارة مهما بلغت، والعلم مهما تقدم، لا يستطيعان أن يخلقا ذرة من العدم، ولا أن يوجدا قانونا واحدا من قوانين الكون، وإنما غاية ما يفعله الإنسان أن يكتشف بعض السنن التي أودعها الله في خلقه. ولذلك كان ازدياد العلم الصحيح زيادة في معرفة الخالق، لا سببا للإعراض عنه.

ولهذا تعلمنا هذه الآية أن الله خلق هذا الكون رحمة بعباده، وتسخيرا لهم، ودعوة لهم إلى توحيده وشكره، وأن كل ما في الأرض والسماء شاهد على كمال علمه، وعظيم قدرته، وسعة رحمته، فمن عرف هذه الحقيقة عاش شاكرا، ومات مؤمنا، ورجا لقاء ربه بقلب مطمئن.

رسائل الآية إلى المسلم:

الأولى: أكثر من التفكر في نعم الله، فإن التفكر طريق إلى زيادة الإيمان.
الثانية: استعمل نعم الله فيما يرضيه، ولا تجعلها وسيلة إلى معصيته.
الثالثة: كلما نظرت إلى السماء فتذكر عظمة خالقها، فيزداد قلبك تعظيما لله.
الرابعة: ازدد يقينا بأن هذا الكون لم يخلق عبثا، وإنما خلق بالحق وللحق.
الخامسة: راقب الله في السر والعلن، فإنه بكل شيء عليم.
السادسة: لا تغتر بتقدم الإنسان، فكل ما عنده قائم على ما خلقه الله وسخره.
السابعة: أكثر من شكر الله على نعمه الظاهرة والباطنة، فإن الشكر سبب لدوامها وزيادتها.

 الإنسان يعيش في بحر من النعم، فالكون كله مسخر لخدمته، لا ليزداد كبرا وغفلة، وإنما ليزداد إيمانا وشكرا. فمن عرف المنعم أحبه، ومن أحب الله أطاعه، ومن أطاعه سعد في الدنيا، وفاز برضوانه وجنته في الآخرة.

معاني مفردات الآية:

خلق لكم: أوجد وسخر لمنافعكم.
ما في الأرض جميعا: جميع ما اشتملت عليه الأرض من المخلوقات والمنافع.
استوى إلى السماء: علا إليها علوا يليق بجلاله.
فسواهن: أتم خلقهن وأحكمهن.
سبع سماوات: سبع سماوات متطابقة، خلقها الله بإحكام.
وهو بكل شيء عليم: أحاط علمه بجميع الأشياء، لا يخفى عليه منها شيء.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام