الثلاثاء 29 محرم 1448 هـ || الموافق 14 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    التفسير الإيماني للقرآن الكريم    ||    عدد المشاهدات: 19

لماذا خلق الله آدم وجعله خليفة في الأرض؟

[ضمن سلسلة التفسير الإيماني للقرآن الكريم، الحلقة رقم (9)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون، وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون).

 

بعد أن ذكرت الآية السابقة أن الله خلق ما في الأرض جميعا لعباده، ورفع أبصارهم إلى السماء ليتأملوا عظيم خلقه، انتقلت إلى أول قصة في القرآن، وهي قصة خلق آدم عليه السلام.

ولم تذكرها سردا للتاريخ، وإنما لتبين للإنسان حقيقة وجوده، وشرف أصله، وغاية استخلافه في الأرض، وأن الحياة ليست عبثا، وإنما هي ميدان للعبادة والابتلاء، وأن العلم والإيمان هما أساس رفعة الإنسان، لا المال ولا القوة ولا الجاه.

 

تبدأ الآيات بقوله تعالى:
(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة).

إنها لحظة عظيمة في تاريخ البشرية، حين أخبر الله ملائكته أنه سيخلق خلقا يعمر الأرض، ويقيم فيها شرع الله، ويتوارثها جيلا بعد جيل. ولم يكن هذا الاستخلاف تشريفا فحسب، بل تكليفا عظيما، يحمل الإنسان فيه أمانة العبادة، وإقامة العدل، وإصلاح الأرض، والدعوة إلى الله.

فالإنسان لم يخلق ليأكل ويشرب ثم يموت، وإنما خلق ليكون عبدا لله، وخليفة في أرضه، يسير فيها وفق أمر ربه، ويجعلها ميدانا للطاعة والخير والإصلاح.

ثم قالت الملائكة:
(قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك).

وليس في هذا اعتراض على حكم الله، ولا اعتراض على قضائه، فالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، وإنما سألت سؤال المستفهم الذي يريد معرفة الحكمة. وقد علموا - بما علمهم الله أو بما رأوا من أحوال من سبق - أن هذا المخلوق سيكون منه من يقع في الفساد وسفك الدماء، فتعجبوا من الحكمة في استخلافه، مع أنهم قائمون بتسبيح الله وتقديسه.

فأجابهم الله بجواب حسم الأمر كله، فقال:
(قال إني أعلم ما لا تعلمون).

أي إن علمكم مهما بلغ، فإنه محدود، أما علم الله فأحاط بكل شيء. فهو يعلم أن من ذرية آدم الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين، ويعلم أن في هذا الخلق من سيعبد الله، وينشر العدل، ويحمل رسالة الخالق إلى أهل الأرض.

وهذه الآية تعلم المؤمن أن يسلم لحكمة الله، ولو خفيت عليه، فإن كثيرا مما يقدره الله قد لا تدرك العقول حكمته في أول الأمر، ثم يظهر بعد ذلك أنه عين الرحمة وعين الحكمة.

ثم قال تعالى:
(وعلم آدم الأسماء كلها).

وهنا يظهر أول سبب من أسباب تكريم الإنسان، وهو العلم.

فلم يفضل الله آدم بقوة جسمه، ولا بكثرة ماله، وإنما فضله بالعلم. فعلمه أسماء الأشياء، وأقدره على المعرفة والفهم والإدراك، ليكون أهلا لتحمل الأمانة والاستخلاف.

ولهذا كان أول ما نزل من القرآن بعد ذلك بقرون طويلة: (اقرأ)، لأن العلم هو طريق الهداية، وبه يعرف الإنسان ربه، ويميز بين الحق والباطل، ويعمر الأرض بما يرضي الله.

ثم عرض الله تلك المسميات على الملائكة، فقال:
(فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين).

ولم يكن ذلك امتحانا لإذلالهم، وإنما ليظهر لهم ما اختص الله به آدم من العلم، وليتبين فضل الله على من يشاء من خلقه.

فقالت الملائكة بكل أدب وخضوع:
(سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).

ما أعظم هذا الأدب! فلم يتكلفوا جوابا لا يعلمونه، ولم يدعوا علما ليس عندهم، وإنما اعترفوا بعجزهم، ونزهوا ربهم، وردوا العلم إليه.

وهكذا يكون أهل الإيمان؛ إذا جهلوا شيئا قالوا: الله أعلم، ولم يحملهم الكبر على القول بغير علم.

ثم قال سبحانه:
(قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون).

فأخبرهم آدم بما علمه الله، فظهر فضله، وتجلت حكمة الله في استخلافه، وعلمت الملائكة أن ربها لا يقضي إلا بالحق، ولا يختار إلا عن علم وحكمة.

فالعلم نعمة عظيمة، لكنه لا يكون نافعا إلا إذا أورث صاحبه التواضع لله، والاعتراف بفضله، والعمل بما علم.

ولو تأملنا واقع المسلمين اليوم، لرأينا أن كثيرا من أسباب ضعفهم ترجع إلى ترك العلم النافع، والانشغال بما لا ينفع. فالأمة التي نزل أول أمرها بـ اقرأ لا ينبغي أن تتأخر في العلم، ولا أن تهجر القرآن، ولا أن تعرض عن المعرفة التي تقربها إلى ربها وتنهض بحياتها.

 

تعلمنا هذه الآيات ألا نعترض على أقدار الله بعقولنا القاصرة، فإن الله يعلم ونحن لا نعلم، ويرى من العواقب ما لا نراه، ويقدر الأمور بحكمة بالغة قد تخفى على الناس زمنا ثم تتجلى لهم.

ولهذا فإن أعظم ما تكشفه هذه الآيات أن الإنسان إنما يعلو بطاعته وعلمه، لا بأصله ولا بجنسه ولا بماله، وأن الاستخلاف في الأرض أمانة قبل أن يكون تشريفا، وأن العلم الصحيح يقود إلى معرفة الله، والخضوع له، وتعظيم حكمته.

 

رسائل الآيات إلى المسلم:

الأولى: تذكر دائما أن وجودك في الأرض رسالة وأمانة، وليس حياة عابرة.
الثانية: سلم لحكمة الله فيما يقضي ويقدر، فإن علمه أكمل من علم الخلق جميعا.
الثالثة: اطلب العلم النافع، فهو سبب رفعة الإنسان في الدنيا والآخرة.
الرابعة: إذا جهلت شيئا فقل: الله أعلم، فإن الاعتراف بالجهل من كمال العلم.
الخامسة: اجعل علمك يقودك إلى التواضع، لا إلى الكبر.
السادسة: كن مصلحا في الأرض، ولا تكن من أهل الفساد وسفك الدماء.
السابعة: أكثر من تسبيح الله وتعظيمه، فإن ذلك شأن الملائكة المقربين.

 

 الله جل وعلا خلق الإنسان لحكمة عظيمة، واختاره لحمل الأمانة، وكرمه بالعلم، وأقام عليه الحجة، فمن استعمل علمه في طاعة ربه كان من خير خلق الله، ومن جعل علمه وسيلة للفساد والكبر كان من أعظم الخاسرين.

وما أحوج الأمة اليوم إلى أن تستعيد مكانتها بالعلم النافع والإيمان الصادق، كما أراد الله لها منذ خلق آدم عليه السلام.

 

معاني مفردات الآيات:

خليفة: من يخلف غيره في عمارة الأرض وإقامة أمر الله.
يفسد فيها: ينشر المعاصي والظلم والعدوان.
يسفك الدماء: يريقها بغير حق.
نسبح بحمدك: ننزهك مع الثناء عليك.
نقدس لك: نعظمك ونطهرك عن كل نقص.
الأسماء كلها: أسماء الأشياء التي علمها الله آدم.
أنبئهم: أخبرهم.
سبحانك: تنزيها لك عن كل نقص.
العليم: الذي أحاط علمه بكل شيء.
الحكيم: الذي يضع الأمور في مواضعها بحكمة تامة.
غيب السماوات والأرض: ما غاب عن الخلق في السماوات والأرض.
ما تبدون: ما تظهرون.
ما كنتم تكتمون: ما تخفون في نفوسكم.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام