الصدقة تقوي روابط الأخوة وتربط الغني بأخيه الفقير
(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (17)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الصدقات المستحبة من فضائل الشرع ومحاسنه، وقد كان اهتمام النبي عليه الصلاة والسلام بذلك بارزاً من خلال أقواله وأفعاله، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر كما في الصحيحين: "يا أبا ذر ما أحبُّ أنَّ لي أُحداً ذهباً أمسي ثالثة، وعندي منه دينار : إلا ديناراً أَرْصده لِدَيْن إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا ، ويا أبا ذر الأكثرون هم الأقلون إلا مَنْ قال هكذا وهكذا "([1]).
وفي صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "يا ابن آدم إنك إنْ تَبْذلِ الفضل خيرٌ لك، وإن تَمْسكه شرٌ لك، ولا تُلام على كَفاف وابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى"([2]).
وفي صحيح مسلم أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: "يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ؟ "([3]).
قال أبو هريرة رضي الله عنه كما في الصحيحين: "أتى رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال يا رسول الله أصابني الجهد فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله " ، فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته ضيفُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئاً ، قالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية ، قال فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ، ونطوي بطوننا الليلة ففعلت ، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " لقد عجب الله عز وجل أو ضحك من فلان وفلانة " ، فأنزل الله عز وجل: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ([4]).
ومما يؤسف له ظهور بعض الشباب في الآونة الأخيرة يدَّعون أن مساعدة الجار أو المريض ونحوهما يشترط له الموالاة لهم على فكرهم ومنهجهم ، وهذه بدعة عصرية تَحُولُ بين أخوة الدين ، إذ الولاء لكل مسلم على قدر ما فيه من إيمان " ومن كان فيه ما يُوالى عليه من حسنات، وما يُعادى عليه من سيئات عومل بموجب ذلك كفساق أهل الملة إذ هم مستحقون للثواب والعقاب ، والموالاة والمعاداة والحب والبغض بحسب ما فيهم من البر والفجور فإن:"مَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ،وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ"([5]).
وطالما والأمر كذلك فله من الحقوق العامة والخاصة ما له وعليه من البغض والهجران ما يستحق بقدر بدعته وضلاله، ولا يعني هذا أن أترك أخي المسلم يعاني من الأمراض الفتَّاكة دون الوقوف معه بحجة أنه واقع في ضلالة بدعة، أو يخالفني في قضايا منهجية أو عقدية، فإني وإن كنت أختلف معه وأبغضه لضلاله أو بدعته، فإن هذا لا يكون مسوغاً لمنع الصدقة عنه، فإذا كان الإسلام يجوِّز إعطاء الكافر من الصدقة الواجبة في حال كونه من صنف المؤلفة قلوبهم، فإنَّ مَنْ كان مسلماً ـ في مثل هذه المحنة ونحوها ـ أولى لرابطة أخوة الدين ، ولعل مثل هذه الصدقات تؤلف بينه وبين أخيه فيترك بدعته أو ضلاله ، إذ النفوس مجبولة على حبِّ من أحسن إليها.
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الرقاق ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً " (5/ 2367 رقم 6079) ، ومسلم في صحيحه [ كتاب االزكاة ، باب الترغيب في الصدقة (2/ 687 رقم 94)] كلاهما من حديث أبي ذر ، وقوله " أقول به " بمعنى الفعل أي أنفقه، وقوله " هكذا وهكذا " كناية عن وجوه النففات في مستحقيها ، وقد أطال الحافظ في معنى ذلك [ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري (11/ 265)].
([2]) أخرجه مسلم في صحيحه [ كتاب الزكاة ، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى وأن اليد العليا هي المنفقة وأن السفلى هي الآخذة (2/ 718 رقم 1036)] من حديث أبي أمامة ، وقوله : الكَفَافُ : من الرزق القوت ، وهو ما كف عن الناس أي أغنى ، كذا في مختار الصحاح للرازي (ص239)، وقوله : اليد العليا : هي المنفقة والسفلى هي الآخذة كذا في المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (7/ 124).
([3]) أخرجه مسلم في صحيحه [ كتاب الزهد والرقائق ، ولم يذكر للحديث باباً (4/ 2273 رقم 2958)] من حديث عبد الله بن الشخير.
([4]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب التفسير، باب" وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ " (4/ 1854 رقم 4607) ، ومسلم في صحيحه [ كتاب الأشربة ، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره (3/ 1624 رقم 2054].
([5]) مجموع الفتاوى لابن تيمية (35/ 94)، والآيتان رقم (7ـ8) من سورة الزلزلة.