نماذج متفرقة من المواقف النبوية الكريمة التي تدل على جميل معاملته للناس في زمانه حلماً وليناً وحكمةً وأدباً وخلقاً من خلال السنة المطهرة
(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (54)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
روى الصعب بن جثامــة([1]) قال: "أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمحماراً وحشياً([2]) فرده عليَّ ، فلما رأى ما في وجهي قال: "إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حُرُم"([3]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم استدان من رجل مالاً، فجاء الرجل يتقاضى من النبي صلى الله عليه وسلم فأغلظ له القول، فهمّ به أصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم "دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً " ([4]).
وفي هذا الحديث مراعاة شعور الآخرين، وحسن التعامل معهم بألطف عبارة، وأحسن إشارة ، مع التماس الأعذار لسوء ما بدر منه ، وهذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم ينبئ عن عاقبة الأخوة الإسلامية ، وكما قال بعضهم :
نفسـيْ أساءتْ كما زعمتَ... فأين عاقبةُ الأُخوَّهْ
فــإذا أسـآتْ كـمـا أســــأتُ... فأين فضلُكَ و المروهْ
وعن أبي هريرة قال: دخل أعرابي المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فصلى فلما فرغ قال "اللهم واسعاً، فلم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أهريقوا عليه سجلاً من ماء أو دلواً من ماء، ثم قال: إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين" ([5]).
وجاء الحديث من رواية أنس بلفظ "بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه ([6])، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : لا تزرموه ([7])، دعوه فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه ، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن ـ أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنَّه([8]) عليه" ([9]).
وفي هذا الحديث دلالة واضحة على حسن خلقه وجميل معاملته مع الزالين، وبيان كيفية الإنكار عليهم بالتي هي أحسن حسب مقتضى الحال، مؤكداً لصحابته أن نجاح الداعية الناصح لا يكون بالعنف والشدة بل باللين والحكمة، فإن انكار المنكر بقسوة قد يؤدي إلى منكر أكبر، وقد حَسَم ديننا الإسلامي هذا الباب بسد الذرائع ، لقد ذكرهمصلى الله عليه وسلم بأنه سبحانه إنما جعلهم رحمة للعالمين "ميسرين غير معسرين " ومن كان من أهل التيسير فلا يعسر على عباد الله ، وكانت هذه هي وصيته لمعاذ وأبى موسى([10]) حين بعثهما الى اليمن "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا"([11]).
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يبعثني مُعَنِّتاً ولا مُتَعَنِّتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً" ([12])، وأمثال ذلك كثير.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أخبر: "أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نجد فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرَّق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة وعلق بها سيفه ونمنا نومةً ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي فقال: "إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتاً ، فقال من يمنعك مني ؟ فقلت : الله ثلاثا، ولم يعاقبه وجلس " ([13]).
وفي هذا الحديث دليل على صبره وصفحه على مَنْ جَهِلَ عليه علَّ مثل هذا الصنف يراجع نفسه ويهتدي لدين الحق ، وهذا ما تحقق حيث أعلن هذا الأعرابي إسلامه([14]) بعدما رأى من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى من عصمة الله له ، ومن عفوه وصفحه وثقته بالله رب العالمين.
وقال أنس كما في الصحيحين: "كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلموعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جَبْذته ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء " ([15]).
" وفي هذا الحديث بيان حلمه صلى الله عليه وسلم وصبره على الأذى في النفس والمال والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام " ([16])، فما أحوج العاملين اليوم في الحقل الدعوي إلى مثل هذا الخلق الرفيع ، فإن سآت أخلاق الجاهلين فإن هناك من يقيمها من الدعاة المخلصين بالعلم والحلم:
أذنبتُ ذنباً عظيماً.... وأنت أعظمُ منهُ
فَجُــدْ بعفـــــــــوكَ أو... فاصـــفحْ بـحـلــمـك عنْهُ
إنْ لم أكنْ في فعاليْ.... مِنَ الكرامِ فكنْ هوْ
أي فكن ذلك العافي.
وعنه رضي الله عنه قال: "كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلمفمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له " أسلم"، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلموهو يقول "الحمد لله الذي أنقذه من النار"([17]).
وفي هذا الحديث بيان رحمته صلى الله عليه وسلم بالناس وحرصه على هدايتهم ورشدهم وإسلامهم ، وهذا من كمال أخلاقه الشريفة.
هذه هي المعاملة النبوية التي افتقدتها أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من رحم الله ، لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الناس "مروءةً ، وأحسنهم خُلُقاً، وأكرمهم مخالطةً، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حِلماً وأمانةً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزهاً وتكرماً " ([18])، واسع الصدر، سليم القلب، منزهاً عن الهوى، جميل الخلق، رحيماً، ودوداً، عطوفاً، لين الجانب، متواضعاً، يسبق حلمُه جهلَه، ولا يزيده شدةُ الجهل عليه إلا حلماً، لقد جمع الخير كله، فكان أكمل البشرية خُلُقاً على الإطلاق باتفاق البرية ، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله:
محمدٌ سيِّدُ الساداتِ مِنْ مُضرٍ ... حاميْ الحِمَى فرعُ أَصلٍ طيِّبٍ زاكىْ
هدايةُ اللَهِ في شامٍ وَفي يَمَنٍ... وَخيرةُ اللَهِ مِنْ رُسْلٍ وأَمْلاكِ
مهذبٌ قرشيُ الأصلِ يُشْرِفُ عَنْ.... حامٍ وَسامٍ وعنْ رُومٍ وأتْراكِ
مُسْتَجْمِعُ الحُسْنِ والإحسانِ وَالكرمِ الْ ... فيّاضِ فاضَ فَلَم يُعْرفْ بإمْساكِ
لسانُهُ الوحيُ وَالتَنزيلُ معجزةٌ... يُنْسيكَ عُجْمةَ قِبْطِيٍّ وانْطاكيْ
طَلْقُ المحيا لكلِّ النازلينَ بهِ ... وَفي الكَريهةِ حَتْفُ الفارسِ الشاكيْ
وَراسِخُ العلمِ وَالصفحِ الجَميلِ إذا... يُرجى وَلَيسَ لذيْ سِتْرٍ بِهَتَّاكِ
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
__________
([1]) الصعب بن جثامة بن قيس بن عبد الله بن يعمر الليثي الحجازي ، وهو أخو محلم بن جثامة ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعنه عبد الله بن عباس ، هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ينزل بودان من أرض الحجاز ، ومات في خلافة أبي بكر الصديق ، وقيل بعد خلافة أبي بكر فقد ذكر يعقوب بن سفيان عن عروة قال : لما ركب أهل العراق في الوليد يعني ابن عقبة كانوا خمسة منهم الصعب بن جثامة، قال ، وقد أخطأ من قال مات الصعب في خلافة أبي بكر خطأً بيناً [ تهذيب التهذيب لابن حجر (4/ 369) ، مصدر سابق ، الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (2/ 729)،مصدر سابق].
([2]) وهو من حمر البر.
([3]) أخرجه أحمد في مسنده [ مسند الصعب بن جثامة (4/ 38 رقم 16470)]، والحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس.
([4]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الوكالة ،باب الوكالة في قضاء الديون (2/ 809 رقم2183) ، ومسلم في صحيحه ، كتاب المساقاة ، باب من استلف شيئاً فقضى خيراً منه وخيركم أحسنكم قضاء (3/ 1225 رقم 1601)].
قوله : " فهم به أصحابه " أي أراد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذوه بالقول أو الفعل ، لكن لم يفعلوا أدباً مع النبي صلى الله عليه وسلم ، قوله " فإن لصاحب الحق مقالاً " أي صولة الطلب وقوة الحجة لكن مع مراعاة الأدب المشروع [ فتح الباري شرح صحيح البخاريلابن حجر(5/ 56)،مصدر سابق].
([5]) أخرجه الترمذي في سننه [أبواب الطهارة، باب ما جاء في البول يصيب الأرض(1/ 275 رقم 147)]، وسكت عنه، وأصله في الصحيح.
([6]) بمعنى اكفف عن هذا الفعل.
([7]) لا تقطعوا عليه بوله.
([8]) أي صبه.
([9]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب الأدب ، باب الرفق في الأمر كله (5/ 2242 رقم 5679)، ومسلم في صحيحه ، كتاب الطهارة ‘ باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذ حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها (1/ 236 رقم 285)].
([10]) عبد الله بن قيس بن سليم أبو موسى الأشعري ، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض اليمن كزبيد وعدن، واستعمله عمر على البصرة فافتتح الأهواز وأصبهان ،واستعمله عثمان على الكوفة ،وكان أحد الحكمين بصفين ، ثم اعتزل الفريقين ، روى كثيراً من الأحاديث ، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، مات سنة 42هـ على المشهور [ تهذيب التهذيب لابن حجر (5/ 317) ، الإصابة (4/ 211)، مصدر سابق].
([11]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب الجهاد والسير ، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه (3/ 1104 رقم 2873) ، ومسلم في صحيحه ، كتاب الجهاد والسير ‘باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير (3/ 1359 رقم 1733)] كلاهما من حديث أبي موسى.
([12]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الطلاق ،باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية (2/ 1104 رقم 1478)] من حديث جابر بن عبد الله.
قوله " إن الله لم يبعثني مُعَنِّتاً " أي شقاء على عباده ،" ولا مُتَعَنِّتاً " بتشديد النون مكسورة أي طالب للعنت ، وهو العسر والمشقة ، " ولكن بعثني معلماً " بكسر اللام مشددة ، " ميسراً " من اليسر.
قال الحرالي : وهو حصول الشيء عفواً بلا كلفة ، وهذا قاله لعائشة رضي الله عنها " لما أمره الله بتخيير نسائه فبدأ بها فخيرها فاختارته ، وقالت " يا رسول الله لا تقل إني اخترتك " [ فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (2/ 254)،مصدر سابق].
([13]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب الجهاد والسير، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة (3/ 1065 رقم 2753)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب توكله على الله تعالى وعصمة الله تعالى له من الناس (4/ 1784 رقم 843)]، ( وقوله "القائلة " أي وسط النهار وشدة الحر، وقوله " كثير الِعضاه " : كل شجر يعظم له شوك ، وقيل: هو العظيم من السمر مطلقاً، وقوله " تحت سمرة " أي شجرة كثيرة الورق، وقوله " صلتاً " بفتح المهملة وسكون اللام بعدها مثناة أي مجرداً عن غمده [ انظر فتح الباري لابن حجر (7/ 427) ، مصدر سابق].
([14]) حيث جاء في بعض الروايات " فدفع جبريل عليه السلام في صدره فوقع السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال : من يمنعك أنت مني اليوم ؟ ، قال : لا أحد ، فقال : قم فاذهب لشأنك ، فلما ولى قال: أنت خير مني ، فقال : أنا أحق بذلك منك ، ثم أسلم " وفي لفظ " قال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام " [ انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني (14/ 189ـ190)، مصدر سابق].
([15]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب الخمس ، باب ما كان للنبي صلى الله عليه و سلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه (3/ 1148 رقم 2980)، ومسلم في صحيحه ، كتاب الزكاة ‘باب إعطاء من يسأل بفحش وغلظة (2/ 730 رقم 1057)].
قوله " وعليه برد " أي رداء ، قوله " نجراني " بفتح النون وسكون الجيم نسبة إلى نجران بلد معروف بين الحجاز واليمن ، قوله " فجبذه " بفتح الجيم والموحدة بعدها ذال معجمة وهي بمعنى جبذ، قوله " صفحة عاتق " في رواية مسلم عنق وكذا عند جميع الرواة [ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (10/ 506)،مصدر سابق].
([16]) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر(10/ 506)،مصدر سابق.
([17]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب الجنائز ، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام (1/ 455 رقم 1290)].
([18]) البداية والنهاية لابن كثير (2/ 287)، مصدر سابق.