الصبر على أذى الإخوان في الله والعفو عنهم من روابط الأخوة الإسلامية
(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (26)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الصبر على الأذى أرفع المقامات التي يجب على الدعاة فعله ، وبه يتبين قوة إيمان الداعية من ضعفه لأنه صبر على أذى غيره وتحمل لئامته وأذاه وظلمه بقصد هدايته ، وهذا من مقامات الأنبياء والمرسلين والمصلحين الذين ظُلِمُوا و"ابتلوا به من دعوة الناس ومعالجتهم وتغيير ما كانوا عليه من العادات ([1])، ولا شك أن "العفو عن الظلم أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة ، يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام قال تعالى : {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)} ([2]).
وقال تعالى : {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)}([3]).
وقال تعالى :{إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً (149)} ([4]).
وقال تعالى :{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ (126)}([5]).
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الصبر على الأذى، ومن ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟، قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ([6]) فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئتَ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ([7]) ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا" ([8]).
ومن جميل أخلاق سلفنا الصالح عفوهم عن المسيئ وإعراضهم عن جهله، ومن ذلك ما جاء في الصحيح من حديث ابن عباسرضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس ([9]) وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباباً، فقال عيينة لابن أخيه يا ابن أخي: لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همَّ به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} ([10]) ، وإن هذا من الجاهلين.
والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقَّافاً عند كتاب الله" ([11]).
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
ــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية (2/ 436)، تحقيق محمد كبير أحمد شودري، دار ابن حزم - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ.
([2]) سورة آل عمران ، الآية رقم (134).
([3]) سورة الشورى ، الآية رقم (40).
([4]) سورة النساء ، الآية رقم (149).
([5]) الصارم المسلول لابن تيمية (2/ 435)، والآية رقم (126) من سورة النحل.
([6]) قرن الثعالب: هو قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد ، وهو على مرحلتين من مكة، وأصل القرن كل جبل صغير ينقطع من جبل كبير. [ انظر المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (12/ 15)].
([7]) هما بفتح الهمزة وبالخاء والشين المعجمتين ، وهما جبلا مكة أبو قبيس والجبل الذي يقابله.[انظر المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (12/ 155)].
([8]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (3/ 1180 رقم 3059)، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين (3/ 1420 رقم 1795)].
([9]) الحر بن قيس بن حصن الفزاري ابن أخي عيينة بن حصن ذكره ابن السكن في الصحابة ، كان أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من فزارة مرجعه من تبوك ، وكان من القراء ومستشاري عمر وجلسائه [ أسد الغابة لابن الأثير (1/ 576)، مصدر سابق ، الإصابة لابن حجر(2/ 58)،مصدر سابق].
([10]) سورة الأعراف ، الآية رقم (199).
([11]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب التفسير ، تفسير سورة الأعراف (4/ 1702 رقم 4366)].