الثلاثاء 23 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 9 يونيو 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 8437

موقف ابن عثيمين من الحزب السلفي، وتعليق البيضاني على الفتوى
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س 600: أحسن الله إليكم، هل من تعليق على كلام الشيخ العثيمين وهو يبيّن وجودَ فرقٍ بين منهج السلف وحزب السلفيين، في شرح حديث العربَاضِ بنِ سَاريَةَ(1) [وهو الحديث الثامن والعشرون من الأربعين النووية] قائلًا: 
"الفائدة السادسة عشرة: أنه إذا كثرت الأحزاب في الأمة فلا تنتمِ إلى حزب، فقد ظهرت طوائف من قديم الزمان؛ مثل الخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة، ثم ظهر أخيراً إخوانيون وسلفيون وتبليغيون وما أشبه ذلك، فكل هذه الفرق اجعلها على اليسار، وعليك بالإمام وهو ما أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "عَلَيكُم بِسُنَّتي وَسُنَّة الخُلَفَاء الرَاشِدين"، ولا شك أن الواجب على جميع المسلمين أن يكون مذهبهم مذهب السلف لا الانتماء إلى حزب معين يُسمى السلفيين، والواجب أن تكون الأمة الإسلامية مذهبُها مذهبَ السلف الصالح لا التحزب إلى من يسمى (السلفيون)، فهناك طريق السلف وهناك حزب يسمى (السلفيون)، والمطلوب اتباع السلف، إلا أن الإخوة السلفيين هم أقرب الفرق إلى الصواب، ولكن مشكلتهم كغيرهم أن بعض هذه الفرق يضلل بعضاً ويبدعه ويفسقه، ونحن لا ننكر هذا إذا كانوا مستحقين، لكننا ننكر معالجة هذه البدع بهذه الطريقة، والواجب أن يجتمع رؤساءُ هذه الفرق، ويقولون: بيننا كتاب الله - عزّ وجل - وسنة رسوله فلنتحاكم إليهما لا إلى الأهواء والآراء، ولا إلى فلان أو فلان، فكلٌّ يخطئ ويصيب مهما بلغ من العلم والعبادة، ولكن العصمة في دين الإسلام، فهذا الحديث أرشد فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى سلوك طريقٍ مستقيم يسلم فيه الإنسان، ولا ينتمي إلى أي فرقة إلا إلى طريق السلف الصالح سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين المهديين"(2).

ج 600: نعم، قد وقفت على هذا الكلام للشيخ محمد بن صالح العثيمين مراراً، ولا أتذكر هذا الكلام بطوله الذي ذكرت، كما لا أنكر ما ذكرت عنه؛ فهو في ظاهر الأمر كان يدندن حول ذلك، وخاصة عندما وُجِدَتْ في عصره بعض الأحزاب، وسمت نفسها بالحزب السلفي؛ فإنه لما ظهرت الجبهة الإسلامية في الجزائر، اشتهر هذا الأمر في الجزائر وأنهم "الحزب السلفي"، كما وجد في بعض الدول مسمى الحزب السلفي، فأنكر الشيخ - رحمه الله - هذا الأمر، وقال: بأن الحزب السلفي أو الحزب الإخواني أو التبليغي أو ما أشبه هذا كلها أحزاب، ولا شك أنه لا يوجد عندنا في الشريعة الإسلامية حزبٌ يقال له الحزب السلفي.

واليوم في مصر سمى بعض السلفيين أنفسهم بالحزب السلفي، رغم أن كثيراً من العلماء هنالك يرفضون ذلك، وأيضًا في اليمن سمى بعض السلفيين أنفسهم بالحزب السلفي، وهكذا في دول عديدة ، لكن هم لم يقولوا بهذا النص، وإنما جعلوا لهم مسمى لهم بصفتهم سلفيين، ومنهم من نصص، ولا شك أننا تكلمنا عن هذا الأمر، وأنه لا يوجد في الإسلام حزبية، ولا يوجد هناك حزب يقال له الحزب السلفي، وإنما هناك شيء يقال له منهج السلف الصالح، وهذا هو الذي يقصده الشيخ، ولذلك قال الشيخ - رحمه الله - : ولا شك أن حزب السلفيين هم الأقرب للصواب، فهو لم يقل إنهم على الصواب ولكنهم الأقرب، فهم خير من الإخوان وخير من التبليغيين، وخير من غيرهم، ولكنهم - أيضًا - حزبيون على خلاف منهج السلف؛ لأنهم جعلوا لهم مسمى حزبياً، وقالوا الحزب السلفي، وخاضوا في اللعبة السياسية الديموقراطية التي كانوا يقولون عنها قديماً: لا يجوز الخوض فيها، ولذلك فالسلفيون في العالم الإسلامي اليومَ ليسوا جميعًا معهم، بل العلماء الأفاضل الذين على المنهج الصحيح يرفضون هذا التحزب، ولكن - كما قلنا - هم خير من غيرهم.
أما هل هم على منهج السلف؟

فالجواب: لا، ليسوا على منهج السلف الصالح؛ لما أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أيُّ الناسِ خيرٌ؟ فقال: أنا، والذينَ معي، ثم الذينَ على الأَثَرِ، ثم الذينَ على الأَثَرِ"(3)، أي على منهج السلف.

فالخائض في التحزبات السياسية المعاصرة وإن سمَّى نفسه سلفياً، لا شك أنه ومن معه سيخضعون للنظام الديموقراطي، فلا يصلح نظام ديموقراطي كفري يحكم المسلمين، فكيف بالسلفيين؟

فهل يصلح أن نقول: الحزب السلفي الديموقراطي أو لا يصلح؟، هم يرفضون ذلك، لكن في الحقيقة لا شك أنه ديموقراطي؛ لأنه من الديموقراطية ولم تأذن به إلا الديمقراطية.

أما الشريعة الإسلامية فلم تأذن به، قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - كما في المسند: "إنَّ النَّبِيَّ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - خَطَّ خَطًّا ثمَّ قال: هذا سَبيلُ اللَّهِ، ثمَّ خَطَّ خُطوطًا عن يَمينِهِ وعَنْ يَسارِهِ ثمَّ قال: هذِهِ سُبُلٌ، عَلى كلِّ سبيلٍ منها شَيطَانٌ يَدْعو إليهِ، ثمَّ قَرَأ: "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(4)"(5).

ولذلك لو اجتمع إخواننا السلفيون الذين أصروا ولا بدّ على الدخول في اللعبة السياسية مع الإخوان المسلمين فصاروا معهم؛ لكان خيرًا لهم وأفضل من أن يتهموا المنهج السلفي بأنه خاض في اللعبة السياسية، أو أنه جوز الحزبية.

وقد كنتم بالأمس تقولون: إن الحزبية حرام، واليوم صرتم سادةً وقادة في هذا الباب، وصرتم تدافعون وتعملون التحالفات مع الأحزاب الاشتراكية والناصرية والبعثية والمخالفة لدين الله، فالواجب على العلماء والدعاة إلى الله - عز وجل - أن يكونوا وسطاء بين الراعي والرعية، إذا رأوا من الراعي خطأً ذهبوا إلى قصره ونصحوه، أما أن ينافسوا الوالي والعامة في هذه الكراسي؛ فإن الأمر بلا شك سينقلب عليهم، وسينقلب السحر على الساحر.

الإخوان المسلمون في الأردن حصلوا على تسعة وتسعين بالمائة من المجالس النيابية في التسعينيّات، ولم يغيروا شيئا في الأردن، والجبهة الإسلامية - كذلك - في الجزائر حصلت على البرلمان كلِّه، ولم يغيروا شيئاً، وهكذا هي الدعوات الأخرى، فالواجب في هذه الحال أن يترك هذا الباب، فلو قال لكم شخص بأنه من الحزب السلفي، فقولوا له: لا حزبية في الإسلام، وهذا ما يقصده الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -.

فالإخوان المسلمون، والذين أسموا أنفسهم بالحزب السلفي، والتبليغيون، وعامة المسلمين كلهم إخواننا؛ نحبهم في الله ونبغضهم في الله، نحبهم في الله على قدر ما عندهم من إيمان، ونبغضهم في الله على قدر ما عندهم من عصيان، لكن لا نتابعهم على الخطأ، وعلينا أن نناصحهم بحكمة.

ولذلك فقد علمتَ أن الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - يقول بأن هناك عيباً عند بعض الإخوان وأنه لا يحسن النصيحة، فبدلاً من أن يحذر من فلان وعلان في جميع المجالس أو في عامة المجالس، يقول خير له أن يمهد لذلك، وخير له أن ينصح بحكمة وبلين، وأن يكون رحيماً.

ونحن - المسلمين - من أرحم الخلق بالخلق، نأمل في اليهودي والنصراني والملحد والبوذي أن يعود إلى دين الله، ولَأنْ يموت رجل كان يهوديا على الإسلام خير لنا من أن يموت على الكفر، فنحن دعاة بناء ولسنا هدّامين، فما بالكم بخطأ يحدث من أخينا المسلم؟

والشيخ - رحمه الله - يقول: أقيموا النصيحة بالحكمة وباللين، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها - : "إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ في شَيءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شيء إِلاَّ شَانَهُ"(6).

ولذا تلاحظ أن الله – تعالى - حين أرسل موسى وهارون إلى فرعون قال لهما: "اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى"(7)، والله - سبحانه - يعلم أنه لن يتذكر ولن يخشى، ولكن قال ذلك من أجل أن يُعَلِّمَ موسى وهارون الأدب.

أخي الكريم: كل ابن آدم خطاء، وأنت إذا أردت أن تنصح أحدًا فلا تقل له: يا فاسق يا عاصٍ يا حزبي، لا تنفر من الناس، وإنما نفّر من المناهج، ومن علماء ودعاة الضلالة، وعيّنهم بأعيانهم إن كنت طالب علم ورعاً وهم أصحاب فتنة.

أما بالنسبة للعامة فعليك أن تناصحهم بحكمة وأن تجلس معهم إن كنت طالب علم، أما إذا كنت تخشى على نفسك من الضرر أو الضعف، ولا تستطيع إيصال الحجة أو تخشى من أن يلقي عليك هذا الشخص شبهة قد تؤثر عليك؛ فابحث عن طالب علم متمكن، أو عالمٍ من العلماء من أجل أن ينصحه.

من خلال ما مر نقول: إنه لا حزبية في الإسلام، وكلام الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - واضح تمام الاتضاح، وهو أن مسمى الحزب السلفي ليس من الدين، ويعاب كثيراً على أن بعض الناس يقول عن الشيخ العثيمين وعن ابن باز - رحمهما الله - بأنهما أجازا للسلفيين في البلدان الإسلامية أن يعملوا أحزاباً سياسية في الدولة الإسلامية، هذا الكلام من كيسهم وليس من كيس الشيخين - رحمهما الله -، وقد سمعنا منهم وعنهم مراراً وتكراراً في حياتهم تحذيرهم للمسلمين من الحزبية، وبالله التوفيق. 
ــــــــــ
([1]) وهو ما أخرجه الترمذي في جامعه [كتاب العلم - باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (4/408 رقم 2676)]، وابن ماجه في سننه [المقدمة - باب اتِّبَاعِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ (1/ 72 رقم 43)] عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا بعد صلاة الغداة موعظةً بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟" قال: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فسيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ".
([2]) شرح الأربعين النووية، للشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ) الناشر: دار الثريا للنشر. ص (282، 283).
([3]) أخرجه أحمد في "مسنده" (14/186 رقم 8482) وهو حديث صحيح.
([4]) سورة الأنعام: (153).
([5]) أخرجه الترمذي في السنن [كتاب صفة القيامة والرقاق والورع (4/244رقم 2454)]، وأحمد في المسند (7/207 ،208رقم 4142). 
([6]) أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب البر والصلة والآداب - باب فضل الرفق (4/2004 رقم 2594)].
([7]) سورة طه: (43، 44).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام