السبت 8 ذو القعدة 1447 هـ || الموافق 25 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    حين تنطق الفطرة من قلب الإلحاد    ||    عدد المشاهدات: 462

حين تنطق الفطرة من قلب الإلحاد (1)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


في أحد اللقاءات على وسائل التواصل، قال لي أحد الملحدين العرب: الفطرة لا يمكن أن تدفع شخصا روسيا أو صينيا إلى الإيمان أو الخوف من خالق، إلا إذا كان دينيا ثم ارتد عنه.

فأجبته ببعض أدلة الشرع التي تنقض دعواه، وسقت له مثالا واحدا من الواقع لمشرك، لكن ضيق الوقت حال دون الاستطراد، فآثرت أن أفرد عدة مقالات لعرض شواهد عديدة، تثبت أن الفطرة في الإنسان لا تموت، بل تسكن في أعماقه، وتستيقظ في ساعة الشدة، سواء كان ملحدا من الأصل أو مرتدا عن دين.

نبدأها بنماذج من روسيا والصين – وهما من أكثر الدول إلحادا وتضييقا على الأديان – توضح لنا كيف أن الفطرة الإيمانية تولد مع الإنسان، وتبقى حية، مهما تربى على الإلحاد أو القمع.

المثال الأول: أليكسي نافالني.

أليكسي نافالني، المعارض الروسي الشهير، نشأ في بيئة علمانية بحتة، ولم يكن يعرف بتدين أو تدين، لكنه بعد أن سجن وتعرض لمحاولة اغتيال بالسم، بدأ يحدث تحول داخلي عميق، فقد نقلت عنه وسائل إعلام روسية وغربية وعلى رأسها: موقع Denison Forum المدرسة الإلكترونية، وكذلك قناة CNE News، أنه قال: بدأت أصلي لأول مرة في حياتي، لم أكن أعرف كيف أفعل، ولا ماذا أقول، فقط قلت: يا الله، ساعدني، فشعرت براحة لا توصف.

تأمل: لم يكن قد تعلم الصلاة من قبل، ولم يكن له احتكاك بالدين، لكن في لحظة الضعف، نطقت فطرته باسم الله دون تكلف.

وهذا شاهد باهر على أن الإيمان ليس قناعة فكرية فقط، بل فطرة مغروسة تعود لتتكلم إذا انقطعت السبل.

(فاعتبروا يا أولي الأبصار).

المثال الثاني: يتعلق بطبيبة صينية.

نشرت مجلة People's Daily Health الصينية في عدد خاص عام 2012، حوارا مع طبيبة تعمل في أحد أكبر مستشفيات بكين (لم يذكر اسمها لحساسية القصة)، تحدثت فيه عن ضغوط العمل في قسم الطوارئ، وقالت: في إحدى الليالي، كنت أعالج طفلا يحتضر، وفجأة أصبت بانهيار عصبي، لم أعد قادرة على متابعة الإجراءات، فاتجهت إلى زاوية غرفة العمليات، وجلست أبكي،

لأول مرة في حياتي نطقت بهذه الكلمات: إذا كان هناك إله، فأنا أحتاجه الآن، أحتاج أن أفهم لماذا يحدث هذا.

الجدير بالذكر أن هذه الطبيبة نشأت في نظام شيوعي، حظر فيه تدريس الدين، واعتبر فيه الإيمان بالله من بقايا الخرافة. لكنها في لحظة صدق مع الذات، لم تنطق بلغة الدولة، بل بلغة الروح التي تنادي خالقها.

(إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون).

المثال الثالث: الصيني الذي بكى في المقبرة.

يروي أحد الدعاة الذين زاروا الصين سرا ضمن وفد تعليمي في 2014، أنه أثناء جلسة خاصة تحدث فيها عن وجود الله ومغفرته، لاحظ رجلا ستينيا بملامح صارمة ظل ساكتا طوال الوقت، لكن عندما قال الداعية: إن الله يسمع دعاء من لا يعرف كيف يدعوه، ويغفر الذنب مهما كبر، انفجر الرجل في البكاء، ثم قال بلهجة صينية مكسّرة:

(أنا ما كنت أعرف الله، لكن قلبي من زمان يشتاق إليه).

وقد نقلت هذه القصة عدة مواقع دعوية منها: IslamicChina.org في تقرير ميداني بعنوان Whispers of the Heart.

هذا الرجل لم يقرأ كتابا دينيا في حياته، ولا تعلم الصلاة، لكنه ظل يحمل داخله نداء دفينا، ما لبث أن استيقظ حين سمع من يوقظه.

(إن في ذلك لعبرة لمن يخشى).

المثال الرابع: الضابط الروسي في أفغانستان.

في مذكرات نشرتها زوجة أحد الضباط الروس المشاركين في الحرب السوفيتية على أفغانستان (1979-1989)، بعنوان A Soldier's Widow، روت موقفا صادما وقع لزوجها أثناء المعركة، فقالت: كان زوجي دائم السخرية من المتدينين، ويعتبر الإيمان بالله ضعفا لكنه ذات يوم، بعد انفجار هائل قربه، عاد إلى المعسكر مرتجفا، وقال لي:

يا إله الجنود، إن كنت موجودا، فأنا عبدك الآن.

ما حدث كان نداء فطريا لحظة الهلع، لا يمكن تفسيره إلا بأن الإنسان، مهما طال إنكاره، لا يستطيع الهروب من احتياجه العميق إلى خالقه حين تسقط عنه أقنعة القوة.

(تجد التفاصيل في المصدر: Natalia Mikhailova, A Soldier’s Widow, Moscow Press, 2001, p. 114).

(إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).

هناك نماذج أخرى سنذكرها إن شاء الله في اللقاء القادم، ابتداء باستالين.

اللهم إن في الأرض عبادا ضلوا عن سبيلك، ما عرفوك حق المعرفة، وما أبصروا نورك في هذا الكون العظيم.

اللهم غرتهم ظلمات الشك، وأضلتهم سبل البعد عنك.

اللهم أرهم من آياتك في أنفسهم وفي الآفاق، ما يحيي القلوب الميتة، ويوقظ الفطرة الغافلة، ويبعث النور في دروبهم المظلمة.

اللهم ارزقهم توبة قبل الممات، وهداية بعد التيه، وإيمانا يملأ صدورهم بنورك، وارزقهم معرفتك كما تحب، وخذ بأيديهم إلى صراطك المستقيم.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام