حين تنطق الفطرة من قلب الإلحاد (2) الأخيرة
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
لا يزال نور الفطرة يسكن القلوب، مهما غمرها ظلام الإنكار. فالإنسان، وإن جحد بلسانه، يحمل في أعماقه نداء لا يصمت، يبحث عن خالقه في لحظات الضعف، ويرتجف حين يطرق الموت بابه.
وليس شرطا أن يصرخ الملحد قائلا: آمنت بالله، لكي نوقن أن فطرته قد استيقظت، فكثيرا ما يكفي أن يرفع يده إلى السماء دون وعي، أو يهمس في الغيبوبة بكلمة عابرة، أو ترتعد ملامحه عند لحظة الفناء.
قال الله تعالى: (قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين).
واستكمالا للحلقة السابقة، إليك شواهد أخرى حقيقية من قلب المجتمعات الإلحادية الكبرى، من روسيا والصين، تكشف كيف تصرخ الفطرة حتى في من عاش عمره في إنكار الخالق:
المثال الأول ستالين: لحظة موته تكشف ما في القلب
جوزيف ستالين، أحد أشد زعماء التاريخ عداء للدين، مات موتة غريبة.
روت ابنته (سفيتلانا أليليويفا) في مذكراتها التي نشرت بعنوان Twenty Letters to a Friend (رسائل إلى صديق)، تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياته، فقالت: فتح عينيه فجأة، ونظر إلى السقف بنظرة رعب، ثم رفع يده إلى أعلى، كأنه يهدد أحدا أو يستنجد به، ثم سقط رأسه ومات، لم أنس هذا المشهد طوال حياتي.
(المصدر: Svetlana Alliluyeva, Twenty Letters to a Friend, Harper & Row, 1967).
إن هذه الحركة الغريزية لا يمكن تفسيرها في ضوء الإلحاد المادي الصارم، إلا على أنها نداء فطري داخلي، لا يترجم بلغة العقل، بل بلغة الروح التي تبحث عن مولاها.
النموذج الثاني: العالم الروسي الذي قال: ماذا سأقول لله إن كان موجودا؟
ذكر الدكتور الروسي إيفانوف، في مقابلة نُشرت ضمن بحث عن الإلحاد في الأوساط العلمية الروسية، أن عالما بارزا في الفيزياء النووية، وكان معروفا بعدائه الشديد للدين، بكى بشدة في أيامه الأخيرة في المستشفى.
وعندما سأله الطبيب إن كانت الجرعة مؤلمة، أجابه: الألم ليس في الجسد، بل في داخلي، ماذا سأقول لله إن كان موجودا؟ لقد أنكرته طوال حياتي.
(المصدر: مقابلة ميدانية منشورة ضمن بحث: Atheism in Soviet Science, Russian Review Journal, 1991, Vol. 50).
العقل الذي أنكر، انهزم أمام حتمية الموت، وبدأ القلب يبحث عن ملجأ لم يعرفه إلا في تلك اللحظة.
إنها الفطرة حين تتكلم دون إذن من الفكر أو (العقيدة) الأيديولوجيا.
المثال الثالث: الصيني الذي هدم الزلزال جدار الإلحاد في قلبه
بعد زلزال سيشوان المدمر عام 2008، والذي قتل فيه أكثر من 70 ألف شخص، فقد أحد الصينيين زوجته وأطفاله.
وبعد شهور من الألم، التقى أحد الدعاة في الصين وقال له: كنت أقول لا إله، لكن قلبي لم يصدقني يوم الزلزال، صرخت من أعماقي: يا الله، أنقذهم!
لم أكن أعلم من هو الله، لكنني شعرت أنه الوحيد الذي يسمعني.
وقد أعلن إسلامه لاحقا، ونُشرت قصته في عدد من المنصات الصينية من بينها موقع Sina News، ثم تُرجمت لاحقا للإنجليزية في تقرير لموقع ChinaAid.org عام 2009.
قال هذا الرجل: الزلزال لم يهدم بيتي فقط، بل هدم كذبة الإلحاد داخلي.
المثال الرابع: الجندي الروسي الذي عرف الله من بين الأنقاض.
في الحرب الروسية الأوكرانية، انتشر تسجيل صوتي نسب إلى جندي روسي محاصر، كان يتحدث إلى والدته قبل أن يقتل.
قال بصوت مختنق: لو مت، قولي لله أنني آسف، لا أعرفه، لكن قلبي يعرفه الآن.
وقد تداولت التسجيل عدة منصات منها قناة Ukrainian Crisis Media Center، وأكدت أنه يظهر حالة نفسية لجندي روسي كان يظن أنه سيموت خلال الحصار.
كم من جندي دخل الحرب ملحدا، فلما اقترب منه الموت، عاد طفلا يرجو الله، دون أن يعرف اسمه، ولا كيف يدعوه، لكنه دعاه بقلبه.
قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق).
هذه النماذج المختارة في هذا اللقاء والذي قبله، تكشف شيئا واحدا: أن الفطرة لا تموت، وأن الله أودع في كل قلب نداء خفيا يعلو فوق الفلسفة، ويتجاوز الأيديولوجيا، ويظهر حين يضعف الجسد، ويتوقف العقل، ويقترب المصير.
قال الله تعالى: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون).