لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(49)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة التاسعة والأربعون: الحوثي والنفط ومشتقاته: حرب واحتكار للموارد
في ليل اليمن الطويل، حيث تتعانق أوجاع الحرب مع لهاث الفقراء بحثا عن وقود يشعل قناديلهم، تمد جماعة الحوثي أيديها على النفط ومشتقاته، لتجعل منه اقتصاد حرب وسلاحا للهيمنة، لا موردا وطنيا.
فمنذ لحظة سقوط العاصمة صنعاء في يدها بدأ فصل جديد من فصول الاستحواذ المنظم على موارد البلاد.
فقد ذكرت وزارة النفط والمعادن اليمنية (تقريرها الصادر في مايو 2020) أن الجماعة، من خلال شركة النفط اليمنية الخاضعة لسيطرتها، باتت تتحكم في كل شحنة تدخل ميناء الحديدة، وتفرض على التجار جبايات باهظة تصل إلى 120 دولارا على الطن الواحد من المشتقات المستوردة، مما وفر لها - بحسب ذات التقرير - نحو 200 مليار ريال يمني (قرابة 374 مليون دولار) خلال عام ونصف فقط.
وبهذا، تحول النفط من سلعة حيوية إلى منجم للتمويل العسكري والسياسي.
ولم تكتف الجماعة بما تجنيه من الداخل، بل وجدت في إيران شريانا اقتصاديا يغذي آلة الحرب.
ففي تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الصادر في يناير 2021م، ورد أن الحوثيين تلقوا شحنات نفطية إيرانية مجانية عبر وسطاء، تباع لاحقا في السوق السوداء داخل اليمن.
لم يكن ذلك دعما اقتصاديا فحسب، بل كان تحالفا عقائديا وماديا يمكن الجماعة من مواصلة تمويل معاركها في الجبهات المختلفة.
أما المواطن اليمني، فكان هو الخاسر الأكبر.
ففي شوارع صنعاء وتعز وذمار، ارتفعت أسعار الوقود إلى أرقام فلكية، تجاوز فيها سعر اللتر الواحد من البنزين ضعف السعر الرسمي، كما ورد في تقرير الأمم المتحدة حول الوضع الإنساني في اليمن لعام 2023م.
وقد أجبر السائقون على الوقوف في طوابير تمتد لساعات تحت الشمس، فيما كانت قوافل الوقود تهرب ليلا إلى السوق السوداء بإشراف مباشر من عناصر الجماعة. ومع كل ذلك، فرض الحوثيون رسوما إضافية على الحوالات المالية بين المحافظات في قرار صدر في يوليو 2022م، ما زاد من وطأة المعيشة على الناس.
وفي عام 2022م، لم يكتف الحوثيون بجمع المال من النفط، بل جعلوا من المنشآت النفطية أهدافا عسكرية.
فبحسب بيان وزارة النفط اليمنية الصادر في 22 أكتوبر 2022م، شنت الجماعة هجمات بطائرات مسيرة على ميناء الضبة في حضرموت وميناء النشيمة في شبوة، ما تسبب في توقف تصدير النفط الخام وخسارة تجاوزت 1.5 مليار دولار.
كانت تلك الهجمات رسالة سياسية للعالم، مفادها أن النفط رهينة القرار الحوثي.
ولأن المال هو وقود الحرب، فقد استخدمت الجماعة عائدات النفط لتغذية آلة القتال، وتجنيد المقاتلين، وشراء الأسلحة. وأكد مركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تقريره الصادر في ديسمبر 2023م أن الحوثيين يخصصون ما يقارب 60% من عائدات المشتقات النفطية للتمويل العسكري والإداري، مما أطال عمر الحرب وعمق المأساة.
وفي مواجهة هذا المشهد، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية في فبراير 2024م عقوبات على 32 شخصية وكيانا حوثيا، إضافة إلى أربع سفن متورطة في تهريب النفط والسلاح، وفق بيان وزارة الخزانة الأمريكية، في محاولة لقطع شريان التمويل غير المشروع الذي يغذي الصراع.
أما على المستوى المحلي، فقد واصلت الجماعة سياسة التلاعب بالأسعار.
ففي مارس 2023م، أعلنت شركة النفط بصنعاء رفع أسعار البنزين والديزل بنسبة 20%، تحت ذريعة ارتفاع التكاليف، بينما كشفت منظمة الشفافية اليمنية أن الزيادة لم تكن إلا إجراء لتغطية العجز المالي الناتج عن إنفاق عسكري متضخم.
ولم يكن التهريب بعيدا عن هذا المشهد.
ففي يونيو 2022م، أعلنت القوات البحرية اليمنية ضبط سفينة محملة بنفط خام مهرب في بحر العرب كانت في طريقها إلى إيران، ما أكد وجود شبكات تهريب عابرة للحدود تمول عمليات الجماعة.
وبينما يغرق اليمن في ظلام الوقود، يعيش المواطنون مأساة الحصار.
فقد بين تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في أبريل 2023م أن القيود البحرية المفروضة على موانئ الحديدة، إلى جانب ممارسات الحوثيين الاحتكارية، تسببت في نقص حاد في الوقود والغاز المنزلي، ما شل حركة النقل وأوقف آلاف المصانع والمخابز والمستشفيات.
وهكذا، تحول النفط - الذي كان يوما موردا للحياة - إلى لعنة تشعل الحرب وتمول الموت.
صار عائده في خزائن الجماعة لا في بيوت اليمنيين، وصار الوقود أداة إذلال لا وسيلة إعمار.
وفي نهاية المطاف، يبقى المشهد اليمني شاهدا على معادلة مأساوية: كلما امتلأت خزائن الحوثيين من النفط، ازداد جوع الشعب، واتسعت الفجوة بين سلطة تتاجر بالمعاناة وشعب ينتظر الفرج من الله وحده.
إن النفط الذي كان يفترض أن ينير المصانع والمستشفيات، أصبح - في زمن الحوثي - وقودا لنيران الحرب التي التهمت الوطن.