لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(50)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة الخمسون: الحوثي والغاز: اقتصاد الحرب وتضييق الخناق على اليمنيين
دخل اليمن مرحلة جديدة من الاستنزاف الاقتصادي، كان فيها الغاز المنزلي أحد أهم أدوات السيطرة والابتزاز.
فبينما تئن المدن تحت وطأة الفقر والجوع، كانت الجماعة تعيد تشكيل سوق الطاقة وفق منطق الحرب والربح السياسي، محولة ثروة البلاد الطبيعية إلى وسيلة ضغط على المواطن والدولة معا.
تشير التقارير الرسمية الصادرة عن شركة صافر (المصدر الرئيس للغاز المنزلي في مأرب) إلى أن إنتاج اليمن من الغاز المنزلي ظل مستقرا قبل الحرب بمعدل 150 ألف أسطوانة يوميا، إلا أن الحوثيين ومنذ سيطرتهم على مؤسسات الدولة في صنعاء بدأوا بخلق أزمة مفتعلة في التوزيع، إذ عمدوا إلى احتجاز الناقلات في مداخل المحافظات، وفرض رسوم غير قانونية، وبيع الغاز في السوق السوداء بأضعاف سعره الرسمي.
وقد وثقت وزارة النفط اليمنية في تقريرها لعام 2018م أن الجماعة حققت من وراء تجارة الغاز فقط ما يزيد على 120 مليار ريال يمني سنويا من الأسواق السوداء، وهو ما يعادل مليوني دولار يوميا في ذروة الأزمة.
وفي شهادات ميدانية جمعها مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي في تقريره الصادر عام 2019م، ذكر المواطنون أن سعر الأسطوانة الذي كان لا يتجاوز 1200 ريال قبل انقلاب الحوثي، قفز إلى أكثر من 8000 ريال في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، في حين ظل السعر ثابتا في المناطق المحررة.
لم يكن ذلك ناتجا عن ندرة في الغاز، بل عن استغلال منظم لحاجات الناس، وتلاعب بالمعروض لتمويل آلة الحرب وبناء شبكات الولاء داخل الجماعة.
ولم يقتصر الأمر على السوق المحلية، بل توسع الحوثيون إلى التحكم في تصدير الغاز الصناعي، وفرضوا جمارك إضافية على الشاحنات المتجهة من مأرب إلى صنعاء عبر نقاط التفتيش، وهو ما أكده تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في يناير 2021م، إذ أوضح أن الجماعة تستخدم إيرادات الغاز والنفط كمصدر رئيس لتمويل عملياتها العسكرية، وكمكافأة للمقاتلين والقيادات الميدانية.
وتكشف الوثائق المسربة من وزارة المالية في صنعاء، والتي نشرها موقع العاصمة أونلاين في يونيو 2020م، عن أن جزءا كبيرا من عائدات الغاز يحول إلى الهيئة العامة للزكاة التابعة للحوثيين، ثم يعاد توزيعه عبر مؤسسات الجماعة، في ما يشبه دورة اقتصادية مغلقة تمول الحرب وتكرس الفقر في آن واحد.
وهكذا، غدا الغاز في اليمن أداة بقاء للميليشيا، وأداة خنق للمواطن.
وفي عام 2023م، أكد تقرير المنظمة الدولية للهجرة أن أزمة الغاز في مناطق الحوثيين ليست سوى نتيجة مباشرة لسياساتهم الاحتكارية، حيث تمنح الأولوية في التوزيع للمشرفين والأسر الموالية، بينما تبقى الطوابير الطويلة من المدنيين مشهدا يوميا في شوارع صنعاء والحديدة وذمار. مشهد تختزل فيه الحرب كل تفاصيلها: سلطة تبيع الهواء للمحتاجين، وشعب يطبخ وجعه على رماد الانتظار.
لقد تحول الغاز من نعمة وطنية إلى أداة سياسية، ومن مصدر طاقة إلى وقود لاقتصاد الظلم.
وبينما كان من المفترض أن يدفئ بيوت اليمنيين، صار يُشعل نار الحرب في صدورهم.
إن التاريخ سيسجل أن الحوثيين لم يكتفوا بقتل الإنسان في الحرب، بل صادروا حتى أنفاسه في السلم، وجعلوا من كل أسطوانة غاز وثيقة إذلال جديدة في سجلّ معاناته الطويل.