لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(63)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة الثالثة والستون: الحوثي والصرخة: زيف الشعارات وسلاح الخديعة
منذ أن رفعت جماعة الحوثي شعارها الشهير الصرخة، تحولت الكلمة من شعار ديني مزعوم إلى راية للدم، ومن نداء للموت إلى أداة لقتل الحياة في اليمن.
لقد كتبوا الصرخة على الجدران، وهتفوا بها في المساجد، ورفرفت على الجبهات، لكنها لم تكن يوما نداء حق، بل كانت قناعا يخفي أطماعا، وصوتا يجلجل بالباطل.
منذ اللحظة الأولى، أراد الحوثي أن يجعل من الصرخة هوية بديلا عن هوية الإسلام، ورمزا للانتماء إلى مشروعه الطائفي.
فمن لم يصرخ بشعاره فهو عنده خائن، ومن رفضه صار عميلا، ومن دعا إلى السلم اتهم بأنه صوت العدوان.
وهكذا تحولت الصرخة من شعار سياسي إلى أداة للفرز والقتل والتمييز، تستعمل لتقسيم المجتمع، لا لتوحيده.
لم تكن الصرخة سوى قناع صوتي لاحتلال الوعي.
لقد أراد الحوثي أن يغطي بها على حقيقة مشروعه، وأن يجعل منها جدارا من الوهم بين الشعب وبين إدراكه لما يجري حوله.
فحين يهتف الناس بالموت، يغيب عنهم معنى الحياة، وحين يرفعون شعار العداء للعالم، ينسى العدو الحقيقي الذي ينهب البلاد ويمزقها من الداخل.
في تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية عام 2024م، وصف شعار الحوثيين بأنه أداة تحريض ممنهجة على الكراهية والعنف الطائفي، وأنه يستخدم لتبرير الانتهاكات ضد المدنيين والمعارضين.
وهذا ما رآه اليمنيون واقعا لا تقريرا؛ إذ لم يكن الشعار في يوم من الأيام سلاحا ضد أعداء الأمة، بل صار بندقية موجهة إلى صدورهم.
لقد جعل الحوثي من الصرخة دينا جديدا يوازي القرآن والسنة.
يرددها في المدارس، ويغرسها في أذهان الأطفال، حتى غدت عندهم طقسا يوميا أشبه بالعبادة.
يريد من الجيل أن يكبر على صوت الموت لا على صوت الحياة، وعلى شعارات اللعنة لا على قيم الرحمة.
وقد وثق تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) لعام 2023م أن الجماعة أدخلت شعارها الطائفي إلى المناهج الدراسية في مناطق سيطرتها، مما يشكل خطرا على النسيج الاجتماعي ووحدة الهوية الوطنية.
لكن أخطر ما في الصرخة أنها شعار بلا مضمون، وراية بلا صدق.
تدعي العداء لأمريكا وإسرائيل، بينما لا رصاصة منها تجاوزت حدود اليمن.
وفي الوقت الذي تصدح فيه حناجرهم بالموت لأمريكا، يفتحون الأسواق لاستيراد بضائعها، ويعقدون صفقات عبر وسطاءها.
إنها صرخة تطلق للعدو البعيد وتصوب نحو المواطن القريب.
باسم الصرخة أُريق الدم اليمني، وهدمت البيوت، وشرد الملايين.
باسمها اقتحمت القرى، وسبيت المدن، وتحت رايتها أُقيمت السجون والمعتقلات.
الصرخة التي زعموا أنها ضد الظلم العالمي صارت عنوان الظلم المحلي.
وباسم مقاومة الخارج، استعبدوا الداخل، وصار اليمني يئن تحت شعارات ترفع باسمه بينما تذبحه في صمته.
يقول تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة لعام 2023م إن جماعة الحوثي ارتكبت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في مناطق سيطرتها، تحت غطاء الشعار الثوري، وإن الصرخة استخدمت لتبرير الاعتقالات التعسفية والتصفية الجسدية ومصادرة الممتلكات.
إنه اعتراف دولي بأن الشعار لم يكن وسيلة للتحرر، بل وسيلة للعبودية المقنّعة.
وفي الوقت الذي يتشدق فيه الحوثيون بأن صرختهم مقاومة للهيمنة الأجنبية، تظهر الوقائع أنهم أداة تابعة لمشروع خارجي، ينفذون أجندة سياسية إقليمية إيرانية، ويدفع اليمنيون ثمنها دما ودمارا.
إن الصرخة لم تكن يوما صوت الشعب، بل كانت صدى لطهران في جبال صعدة وصنعاء والحديدة.
لقد زرع الحوثي صرخته في عقول الشباب كما تزرع الألغام في الطرقات، ليفجر بهم المستقبل كما فجر الأرض.
فكم من طفل قتل وهو يهتف بالصرخة! وكم من أسرة بكت أبناءها الذين خدعوا بها!
صرخة قالوا إنها تحيي الأمة، فإذا بها تميت الإنسان في داخله، وتقتل الفطرة، وتطفئ نور العقل.
وإذا كانت الشعارات تقاس بثمارها، فليتأمل الناس ماذا جنت اليمن من هذه الصرخة؟
هل حررت البلاد؟ أم أذلتها؟
هل جمعت الصف؟ أم مزقته؟
هل أخرجت المحتل؟ أم فتحت له الأبواب؟
الجواب يراه كل يمني حين ينظر إلى وطن محطم، واقتصاد منهار، وأجيال تائهة لا تعرف سوى الصراخ باسم الموت.
لقد أدرك الناس – بعد عقد من الصرخات – أن الحوثي لم يأت ليبني دولة ولا ليحرر أمة، بل جاء ليصنع صنما صوتيا يعبدونه، ويبررون باسمه ظلمهم.
فحين يصرخون بالموت لأمريكا، يعيش الأمريكي في أمنه، بينما يقتل اليمني أخاه.
وحين يهتفون باللعن لإسرائيل، لا تمس إسرائيل بسوء، لكن تهدم بيوت اليمنيين على رؤوسهم.
الصرخة إذن كذبة كبرى، رفعت لتغطية مشروع سياسي طائفي، هدفه تمكين السلالة لا نصرة الأمة.
هي شعار يقتل باسم الحياة، ويخون باسم الوطنية، ويكفر باسم الدين.
إنها الوجه الصوتي للعبودية، والعنوان الأوضح لتزييف الوعي في العصر الحديث.
واليوم، يقف اليمن أمام خيار واضح: إما أن يستعيد وعيه ويكسر قيد الصرخة، أو يظل أسيرا لشعار لم يجلب له إلا الموت.
إن مواجهة هذا الزيف تبدأ من إحياء الكلمة الحرة، ومن إعادة بناء الوعي الذي دمره الصراخ.
فالوطن لا يبنى باللعنات، ولا يحرر بالأصوات المملوءة بالكراهية، بل يبنى بالعلم والعمل والوحدة والصدق.
إن الحوثي بالصرخة قد قتل فينا صوت الحياة، وحان الوقت ليرتفع صوت اليمنيين الحقيقيين:
صوت الصدق بدل الصراخ، وصوت السلام بدل الموت، وصوت الوطن بدل السلالة.
وسيأتي اليوم الذي تصمت فيه كل الصرخات الكاذبة، ويبقى صوت اليمن الحق يصدح:
عاشت اليمن كريمة، وسقطت كل صرخة ترفعها الأيدي الملطخة بدماء الأبرياء.