ما هو السير إلى الله؟ ولماذا نسير؟
ضمن سلسلة مدخل إلى السير إلى الله (1/10)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
في هذا العالم الذي يزداد اضطرابا يوما بعد يوم، حيث الفتن تفتت القلوب، والمغريات تملأ الطريق، والناس يسيرون كل إلى وجهة يرضاها، يقف المؤمن متسائلا:
إلى أين أسير؟ وما غايتي؟ ولماذا أشعر رغم كل ما أملك أن في داخلي فراغا لا يملؤه شيء؟
الجواب هو أن روحك خلقت لتسير إلى الله كما قال الله تعالى: (إنا لله وإنا إليه راجعون).
لم تخرج إلى هذه الحياة عبثا، ولم تعط قلبا لتملأه شهوات، بل لتملأه نور المعرفة والأنس بربك.
فروحك لم تخلق للهو، بل لتكون مصدر خير ونور في طريق العبودية لله.
ما معنى السير إلى الله؟
السير إلى الله ليس انتقالا بالأقدام، بل هو سفر القلب والروح.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
فالقلب هو الراحل، والنية هي الزاد، والعمل الصالح هو الطريق.
وما الجوارح إلا تابعة لما يختلج في صدرك من صدق أو كذب، إخلاص أو رياء.
لماذا نسير؟
نسير لأننا غرباء في هذه الدنيا، والروح لا تستريح إلا في موطنها الأول:
وهو القرب من الله، حيث الأمان، والطمأنينة، والنور.
قال الله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
فالرجوع إلى الله غاية كل سلوك، والاطمئنان لا يكون إلا إذا رجع القلب إلى خالقه.
أما من أعرض، فسيبقى في التيه مهما جمع من لذائذ الدنيا، كما قال الله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا).
السير تكليف ومفتاح النجاة:
السير إلى الله فرض عين على كل مؤمن؛ لأن غاية العبادة الوصول إلى مرضاة الله، قال الله تعالى: (وأن إلى ربك المنتهى).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، واصله في الصحيحين: (سددوا وقارِبوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدا عمله الجنة، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).
السير إلى الله يبدأ بالتوبة، ثم بالإخلاص، ثم بالمجاهدة، ثم بالثبات، وكلها أبواب تحتاج إلى صدق وصبر ومصابرة، كما قال الله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
فمن أراد الجنة فليجتهد في تحصيلها.
كيف يكون السير؟
السير يبدأ بخطوة واحدة: أن تقلع عن الغفلة.
وأن تطلب من ربك بإلحاح ان يأخذ بيدك إليه.
قال الله تعالى: (ففروا إلى الله).
ثم تمشي كل يوم خطوة، وإن كانت صغيرة، نحو الصلاة بخشوع، والذكر بوعي، مع خلق طيب مع الناس، وتفكر في آيات الله، وهكذا.
الطريق إلى الله على قدر المجاهدة، فمن جد وجد، ومن صدق وصل.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).
فلا يغرنك بطء الطريق، فإن الله لا ينظر إلى السرعة، بل إلى النية والصدق في الطلب.
السير طريق حب لا مشقة
ليس السير إلى الله طريق خوف دائم، بل هو أيضا طريق حب وشوق.
ويؤكد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي كما صحيح البخاري عن ربه عز وجل أنه قال: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها...).
إذا أحب العبد ربه، خف عليه كل تعب، وصار يرى في الطاعة لذة، وفي الصبر راحة، وفي الدعاء لقاء.
وهنا يكشف الله له من أنواره ما يبدد كل ظلمة في قلبه.
الثمرة: الوصول إلى الله.
الوصول ليس مقاما يراه المؤمن، بل حال يذاق.
حين تجد نفسك في سجدة لا تريد أن ترفع رأسك منها، حين تبكي لأنك تذكرت رحمة الله، حين تهرب من الناس لتخلو بربك، حينها بدأت تصل إلى غايتك الربانية.
قال الحسن البصري كما في إغاثة اللهفان لابن القيم: (1/81): (رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر).
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا).
والحاصل: أن السير إلى الله رحلة العمر كله.
منذ أول: أستغفر الله إلى آخر: لا إله إلا الله عند الموت.
لا يقطعه كثرة صلاة ولا علم بلا إخلاص، بل يقطعه قلب متوجه بصدق نحو ربه.
كل خطوة في سيره نور، وكل دمعة على الطريق قرب، وكل عثرة فيه إصلاح.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سيروا هذا جُمْدَان، فقد سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات).
فابدأ من الآن، قبل أن يقال: انتهى الطريق ولم تسر بعد.