الخميس 3 شعبان 1447 هـ || الموافق 22 يناير 2026 م


قائمة الأقسام   ||    سلسلة مدخل إلى السير إلى الله    ||    عدد المشاهدات: 226

أهمية النية والإخلاص في الطريق إلى الله

ضمن سلسلة مدخل إلى السير إلى الله (5/10)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


طريق السير إلى الله هو طريق النية والإخلاص، وهما أعظم المقامات وأساس الأعمال، وبهما توزن القلوب، ويرتفع العبد عند ربه أو يوضع، فإنما يقبل العمل بإخلاصه، ويرد إذا خلا من الصدق.

النية هي البداية والميزان

النية هي أول الطريق، وهي التي تحدد وجهة السائر، فرب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تحبطه نية فاسدة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).

ليست النية مجرد خاطر عابر في القلب، بل هي توجيه شامل للروح نحو الله، هي أن تجعل قصدك وجه الله في كل ما تعمل، لا رياء ولا سمعة ولا مديحا من الناس، بل لأنك تريد أن يرضى عنك ربك.
قال الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء).

الإخلاص سر القبول

الإخلاص هو أن تعمل العمل لا تريد به إلا وجه الله، فإذا صليت، أو تصدقت، أو دعوت، أو علمت، فاجعل غايتك أن يراك الله راضيا عنك، لا أن يراك الناس مادحين لك.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند النسائي وغيره: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه).

الإخلاص لا يظهر على اللسان، بل يسكن في أعماق القلب، يعرفه الله وحده، وهو الذي يجعل العمل الصغير عند الله عظيما.
قال ابن المبارك كما في سير أعلام النبلاء(400/8): (رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل عظيم تصغره النية).

النية والإخلاص هما روح العمل

كل عبادة بلا نية جسد بلا روح، وصلاة بلا إخلاص حركة بلا حياة، وصيام بلا قصد وجه الله جوع بلا أجر.
قال الله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا).
قال البغوي عند تفسير هذه الآية: وقال فضيل بن عياض: (أحسن عملا: أخلصه وأصوبه)، وقال : (العمل لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا)، الخالص : إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة.[هكذا في تفسير البغوي].

ولهذا كان السلف يخافون من فساد النية أكثر من خوفهم من المعصية، لأن المعصية تغفر بالتوبة، وأما الرياء فيحبط العمل.

علامات الإخلاص

من علامات الإخلاص أن لا تبالي بمدح الناس أو ذمهم، وأن تفرح إذا خفي عملك، وأن تجد في قلبك لذة إذا علمت أن الله وحده يعلم سرك.
ومن علاماته أن يستوي عندك العمل في السر والعلن، وأن تكون همتك في أن يراك الله حيث يحب، لا أن يراك الناس حيث يعجبون.
وعن سفيان الثوري كما في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، قال : (ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي، إنها تتقلب علي).

فالنية تحتاج مراقبة دائمة، وتوبة متكررة، وتجديدا مستمرا، لأن القلب يتقلب، ومن معاني الإخلاص أن ترد قلبك إلى الله كلما مال إلى غيره.

الإخلاص طريق الرفعة

ما رفع الله عبدا بكثرة عمله، بل برقة قلبه وصفاء نيته.
انظر إلى الرجل الذي سقى كلبا فغفر الله له، وإلى المرأة التي حبست هرة فدخلت النار، فالأعمال لا توزن بالحجم بل بالنية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

الإخلاص يثمر الطمأنينة

حين تخلص لله، تهدأ روحك، لأنك لم تعد تنتظر شيئا من الخلق، ولا تنتظر جزاء إلا من ربك.
فلا يهمك إن رأى الناس عملك أو أنكروه، مدحوك أو هجوك، لأنك لم تعمل لأجلهم.
قال الله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).

الإخلاص نور يرافقك في كل عمل، يبدد ظلمة الرياء، ويملأ القلب يقينا ورضا.
فمن أخلص لله في نيته، أخلص الله له في عونه، كما قال الله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا).

الثمرة: القبول والوصول

كل طريق إلى الله يبدأ من نية صادقة، وينتهي بقبول عند الله.
وما بينهما مجاهدة للنفس وتطهير للقلب.
قال العلماء: (الإخلاص أن يكون سعي العبد كله لله، إذا أحب أحب لله، وإذا أبغض أبغض لله).

فاجعل نيتك بوصلتك، وإخلاصك زادك، فإن الطريق إلى الله لا يقطع بكثرة الخطى، بل بصدق الاتجاه.
وما أضيع حياة من عملوا لغير الله، ثم قيل لهم يوم القيامة: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء.

ما دام في صدرك إخلاص، فطريقك إلى الله لن يغلق أبدا.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام