الأحد 27 محرم 1448 هـ || الموافق 12 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    أولئك لهم الأمن وهم مهتدون    ||    عدد المشاهدات: 14

لا مال بلا أمن

[ضمن سلسلة (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)، الحلقة رقم 3]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


إن من أعظم الحقائق التي يشهد بها القرآن، ويقررها التاريخ، ويؤكدها الواقع، أن الأمن يسبق المال، وأن المال لا قيمة له إذا فقد الأمن. فالإنسان لا ينتفع بثروته إذا كان خائفا، ولا يهنأ بقصره إذا كان مهددا، ولا تزدهر التجارة إذا تعطلت الطرق، ولا تنمو الاستثمارات إذا غابت الطمأنينة.

ولهذا قلنا في مقال سابق: إن إبراهيم الخليل عليه السلام بدا دعاءه بالأمن قبل الرزق، فقال: (رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ)

فقدم الأمن؛ لأنه أساس كل خير، ثم سأل الرزق، لأنه ثمرة من ثماره.

وكذلك امتن الله على قريش بقوله: (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ).

فجمع بين نعمتين لا تستقيم الحياة إلا بهما: الطعام الذي يقيم الأبدان، والأمن الذي يحفظ الأبدان والأموال والمجتمعات.

وفي المقابل، ضرب الله مثلا لقرية كانت تنعم بالأمن والرخاء، ثم كفرت بأنعم الله، فقال سبحانه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ).

فتأمل كيف اجتمع الأمن والرزق في أول الآية، ثم اجتمع الجوع والخوف في آخرها، وكأن القرآن يقرر أن زوال الأمن بداية زوال الرخاء.

وقد أدرك العلماء هذه الحقيقة منذ قرون.

قال بعض العلماء: لا يصلح الناس إلا بدين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام.

وقد قيل: الظلم مؤذن بخراب العمران، فإذا انتشر الظلم والخوف انصرف الناس عن الزراعة والتجارة والصناعة، وبدأت أسباب الانهيار.

ولهذا كانت الدول عبر التاريخ إذا استتب فيها الأمن ازدهرت أسواقها، وكثرت خيراتها، وقصدها التجار والعلماء، وإذا اضطربت أحوالها فرت منها الأموال قبل أن يفر منها الناس.

وهذه الحقيقة لا يختلف عليها عقلاء العالم؛ فالاقتصاد لا يقوم على كثرة الموارد وحدها، بل يقوم على الثقة، والثقة لا تنشأ إلا في بيئة يسودها الأمن والعدل واستقرار الأنظمة.

ولذلك نجد أن المستثمر يبحث أولا عن البلد الآمن، ثم ينظر بعد ذلك إلى فرص التجارة. وكذلك السائح، وطالب العلم، وصاحب الصناعة، كلهم يقدمون الأمن على سائر الاعتبارات.

ومن هنا نفهم لماذا كانت المحافظة على الأمن من أعظم المسؤوليات، ولماذا كانت الجرائم التي تروع الآمنين، أو تعطل مصالح الناس، أو تنشر الفوضى، من أخطر الجرائم في الشريعة الإسلامية؛ لأنها لا تضر فردا واحدا، بل تصيب المجتمع كله.

ولذلك فإن من تمام شكر نعمة الأمن: أن يحافظ كل فرد على أمن وطنه، وأن يبتعد عن كل ما يثير الفوضى أو يؤجج الفتن أو يزعزع الثقة، فالمجتمع الآمن مسؤولية مشتركة، لا ينهض بها رجال الأمن وحدهم، بل يشاركهم فيها كل مواطن ومقيم.

والحاصل: أن المال ثمرة، والأمن أصل، وإذا تعارض الأصل والثمرة قدم الأصل. ولذلك كان الأمن في الإسلام ضرورة شرعية، وحاجة ماسة، وأساسا لكل نهضة، فلا عبادة تستقر بلا أمن، ولا علم يزدهر بلا أمن، ولا تجارة تنمو بلا أمن، ولا وطن ينهض بلا أمن.

وصدق الله العظيم إذ امتن على عباده بقوله: (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)، فجمع لهم بين قوام الحياة وحارسها، وبين الرزق وأمنه، لتبقى هذه الآية شاهدا خالدا على أن الأمن هو مفتاح العمران، وحارس الأوطان، وأساس ازدهار الإنسان.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام