الجمعة 9 صفر 1448 هـ || الموافق 24 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 1

اتباع السحر وترك الوحي سبب للضلال والخسارة

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (33)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ۝١٠٢ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ۝١٠٣﴾.

بعد أن ذكر الله تعالى إعراض بني إسرائيل عن كتابه، بين ثمرة هذا الإعراض، وهي أنهم لم يكتفوا بترك الوحي، بل اتبعوا الباطل، واستبدلوا هداية الله بخرافات الشياطين وسحرهم، فكانت عاقبتهم الخسران في الدنيا والآخرة.

فقال سبحانه:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.

أي اتبعوا ما كانت الشياطين تروجه وتنشره من السحر والأباطيل، وزعمت أن سليمان عليه السلام إنما ملك الإنس والجن والطير بالسحر، فصدقوهم، وأعرضوا عن كتاب الله.

فنزَّه الله نبيه الكريم من هذه الفرية فقال:
﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.

ففي هذه الآية براءة قاطعة لسليمان عليه السلام، وأن ما آتاه الله من الملك وتسخير الجن كان معجزة وكرامة من الله، لا سحرا ولا شعوذة.

وفيها أن تعليم السحر ونشره من أعمال الشياطين، ولذلك نسب الله الكفر إليهم.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).

فجعل السحر بعد الشرك مباشرة، لعظيم خطره وفساد أثره.

ثم قال سبحانه:
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.

أي أن الله ابتلى الناس بهذا الأمر امتحانا لهم، وكان الملكان لا يعلمان أحدا حتى يصرحا له بأعظم تحذير:
﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.

فلم يكن في ذلك دعوة إلى السحر، وإنما إقامة للحجة وبيان لخطره، فمن أصر بعد هذا البيان فقد اختار طريق الهلاك بنفسه.

ثم كشف الله بعض آثار السحر فقال:
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.

فالسحر قد يكون سببا في وقوع الفرقة والعداوة بإذن الله الكوني، لكنه لا يعمل مستقلا بنفسه.

ولهذا قال تعالى:
﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

فهذه الآية تملأ قلب المؤمن طمأنينة، فلا يخاف ساحرا ولا مشعوذا، لأن الضر والنفع بيد الله وحده، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

ثم وصف الله حقيقة ما يتعلمونه فقال:
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾.

وهذه قاعدة عظيمة، فكل علم يفسد العقيدة أو الأخلاق أو يبعد عن الله فهو علم ضار، وإن ظنه الناس منفعة.

ثم قال:
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.

أي علموا أن من استبدل السحر بالإيمان فلا نصيب له في الآخرة.

ثم قال:
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾.

لقد باعوا أنفسهم بثمن بخس، واستبدلوا رضوان الله بما يجلب عليهم سخطه، وما أشد خسارة من باع آخرته بعرض من الدنيا.

ثم فتح الله لهم باب الرجاء فقال:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

فمهما عظم الذنب، فإن باب التوبة مفتوح، وما عند الله من الثواب خير من كل ما يتوهمه أهل الباطل من منافع عاجلة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة).

وثبت في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد).

فهذان الحديثان يدلان على أن الإسلام يريد حماية عقيدة المسلم من كل تعلق بالسحر والكهانة والشعوذة، وربط القلب بالله وحده.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: من أعرض عن الوحي وقع فريسة للباطل، فالنفس لا بد لها من متبوع.
الثانية: السحر من أعظم الذنوب، وهو من أعمال الشياطين لا من كرامات الأولياء.
الثالثة: لا يقع ضرر السحر إلا بإذن الله، فلا يتعلق قلب المؤمن إلا بربه.
الرابعة: كل علم لا يقرب إلى الله فهو وبال على صاحبه مهما أغرى الناس.
الخامسة: أعظم الخسارة أن يبيع الإنسان آخرته لأجل منفعة زائلة.
السادسة: النجاة كلها في الإيمان والتقوى، وما عند الله خير وأبقى.
السابعة: لا يجوز للمسلم أن يذهب إلى السحرة أو الكهان أو العرافين، بل يلجأ إلى الله، ويحافظ على الأذكار، ويرقى نفسه بالقرآن.

إن هذه الآيات تعلم المؤمن أن أعظم نعمة هي الوحي، وأن من ترك نور القرآن اتبع ظلمات الشياطين، وأن القلب إذا امتلأ بتعظيم الله لم يخف ساحرا، ولم يتعلق بكاهن، بل علم أن الملك كله لله، وأن الخير كله بيده، وأن الفوز الحقيقي ليس في تحصيل قوة مزعومة، وإنما في الإيمان والتقوى والعمل الصالح.

معاني مفردات الآيات

تتلو الشياطين: تروي وتشيع وتقرأ من أباطيلها.
ما كفر سليمان: برأه الله من السحر والكفر.
فتنة: اختبار وابتلاء.
فلا تكفر: لا تتعلم السحر ولا تعمل به.
يفرقون به: يجعلونه سببا للفرقة والعداوة.
بإذن الله: بقضائه وقدره الكوني.
خلاق: نصيب وحظ في الآخرة.
شَرَوْا: باعوا واستبدلوا.
مثوبة: ثواب وجزاء كريم من الله.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام