الأحد 11 صفر 1448 هـ || الموافق 26 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 9

نعمة الاصطفاء لا تنفع بلا إيمان، والاستعداد ليوم لا يقبل فيه فداء

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (40)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿**يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ۝١٢٢ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ۝١٢٣﴾.

بعد أن بين الله سبحانه أن أهل الكتاب انقسموا إلى فريقين؛ فريق آمن بالحق لما عرفه، وفريق كفر به حسدًا وعنادًا، عاد الخطاب مرة أخرى إلى بني إسرائيل، يذكرهم بنعمه عليهم، ثم يخوفهم بيوم القيامة؛ ليعلموا أن شرف النسب، وفضيلة التاريخ، وكثرة النعم، لا تغني عن صاحبها شيئًا إذا لم يقرنها بالإيمان والطاعة.

قال سبحانه:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.

ليس المقصود تذكر النعمة باللسان فقط، وإنما تذكرها بالقلب، وشكرها بالطاعة، واستعمالها فيما يرضي المنعم.

فالذكر هنا يشمل: استحضار فضل الله، والاعتراف به، وشكره، والثبات على طاعته.

ولهذا كان الشكر سببًا لبقاء النعم، والكفر بها سببًا لزوالها.

قال تعالى:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:

(إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها).

ثم قال سبحانه:
﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

أي فضلت أسلافكم المؤمنين الذين كانوا في زمانهم، بما خصهم الله به من كثرة الأنبياء، وإنزال الكتب، وإنجائهم من فرعون، وإظهار الآيات البينات.

وليس في الآية دليل على أنهم أفضل الأمم على الإطلاق؛ فإن الله جعل أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم.

قال تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله).

وفي هذا تنبيه عظيم إلى أن الفضل الإلهي تكليف قبل أن يكون تشريفًا، وأن من شرفه الله بالعلم أو القرآن أو الدعوة، فقد عظمت مسؤوليته، فإن لم يقم بحق النعمة كانت حجة عليه لا له.

ثم قال تعالى:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾.

أي اجعلوا بينكم وبين عذاب ذلك اليوم وقاية بالإيمان والعمل الصالح.

ولم يقل: واتقوا النار، بل قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾؛ لأن هول ذلك اليوم نفسه يفزع القلوب، فهو يوم تشيب فيه الولدان، وتتطاير الصحف، وتنصب الموازين، ويقف الخلق بين يدي رب العالمين.

ثم قال سبحانه:
﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.

أي لا تقضي عنها حقًا، ولا تتحمل عنها ذنبًا، ولا تغني عنها أدنى غناء.

فكل إنسان يأتي يوم القيامة منفردًا بعمله.

قال تعالى:
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا).

ثم قال تعالى:
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾.

العدل هنا هو الفداء، أي لو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبًا، أو بكل ما يملك، لم يقبل منه.

قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ﴾.

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقول الله: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ فيقول: نعم. فيقول: قد أردت منك أهون من هذا، وقد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي).

ثم قال:
﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾.

أي لا تنفع الشفاعة من كان كافرًا، لأن الشفاعة كلها ملك لله، ولا تكون إلا بإذنه ولمن رضي عنه.

قال تعالى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.

فالاعتماد على الانتساب، أو على منزلة الآباء، أو على الأماني الكاذبة، من أعظم أسباب الخذلان.

ثم ختم بقوله:
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.

أي لا يجدون من يدفع عنهم عذاب الله، ولا من يحميهم من بأسه، فقد انقطعت الأسباب، ولم يبق إلا العمل الصالح ورحمة الله.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا).

فإذا كانت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغني عنها نسبها دون العمل، فكيف بغيرها؟!

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: تذكر نعم الله ليس بالتحدث بها فقط، بل بشكرها والثبات على طاعته.
الثانية: كل نعمة يقابلها تكليف، وكل فضل يقابله حساب، فكلما عظمت النعمة عظمت المسؤولية.
الثالثة: الانتساب إلى أهل الصلاح، أو إلى أسرة كريمة، أو إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا يغني عن صاحبه إذا فرط في الإيمان والعمل.
الرابعة: أعظم زاد ليوم القيامة هو التوحيد الصادق والعمل الصالح، لا الأموال ولا الجاه ولا الأنساب.
الخامسة: من تأمل أهوال القيامة صغرت في عينه الدنيا، وخف عليه ترك الشهوات.
السادسة: الشفاعة حق، لكنها لا تكون إلا بإذن الله ولأهل التوحيد، فلا يجوز الاتكال عليها مع الإصرار على المعصية.
السابعة: أكثر الناس غبنًا من عاش بين نعم الله، ثم لقيه يوم القيامة مفلسًا من الشكر والطاعة.

إن هاتين الآيتين تهزان القلب هزًا؛ فكم من إنسان اغتر بماضيه، أو نسبه، أو علمه، أو صلاح آبائه، ونسي أن الله لا ينظر يوم القيامة إلى الصور ولا الأنساب، وإنما إلى الإيمان والعمل.

فمن أراد النجاة، فليجدد شكره لله على نعمه، وليستعد لذلك اليوم العظيم بكثرة التوبة، وصدق الإخلاص، ولزوم طاعة الله، قبل أن يأتي يوم لا يقبل فيه فداء، ولا تنفع فيه وساطة إلا لمن أذن له الرحمن ورضي عنه.

معاني مفردات الآيات

اذكروا نعمتي: استحضروها واشكروها بالطاعة.
فضلتكم على العالمين: على عالمي زمانكم بما خصكم الله به من النعم والرسالات.
اتقوا يومًا: خافوا يوم القيامة، واستعدوا له بالطاعة.
لا تجزي نفس عن نفس شيئًا: لا تغني عنها ولا تقضي عنها شيئًا من حق الله.
عدل: فداء أو بدل.
شفاعة: التوسط لجلب نفع أو دفع ضر، ولا تكون يوم القيامة إلا بإذن الله ورضاه.
ينصرون: يمنعون أو يدفع عنهم العذاب.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام