كتمان الحق والمسارعة إلى الخيرات
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (48)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٤٦ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ١٤٧ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١٤٨﴾.
بعد أن بين الله أن أهل الكتاب لا يتبعون قبلة المسلمين عنادًا لا جهلًا، كشف في هذه الآيات حقيقة أخرى من حقائقهم، وهي أنهم كانوا يعرفون صدق النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرفون أن تحويل القبلة حق من عند الله، ولكن كثيرًا منهم آثروا الكتمان على الإقرار، اتباعًا للحسد وحب الرياسة، ثم وجه الله المؤمنين إلى الثبات على الحق، والانشغال بالمسابقة إلى الطاعات، بدل الانشغال بجدال المعاندين.
قال سبحانه:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
اختلف المفسرون في الضمير في قوله: ﴿يعرفونه﴾، وأصح الأقوال أنه يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: يعود إلى تحويل القبلة، ولا تعارض بين القولين، فإنهم كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرفون أن تحويل القبلة حق، لأن ذلك كله ثابت في كتبهم.
وشبه الله معرفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم بمعرفتهم لأبنائهم، وهي من أوضح المعارف وأبعدها عن الاشتباه، فليس جحودهم ناشئًا عن خفاء الدليل، وإنما عن فساد القصد.
وقد ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه ـ وكان من علماء اليهود فأسلم ـ أنه لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة عرف أنه رسول الله، فآمن به، وشهد بصدق رسالته.
ثم قال سبحانه:
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وهذا من أعظم الذم؛ لأن كتمان الحق مع العلم أشد جرمًا من الجهل.
فالعالم الذي يعرف الحق ثم يخفيه طمعًا في دنيا، أو خوفًا على منصب، أو مجاملة للناس، قد شابه أهل الكتاب في هذا الخلق الذميم.
ولهذا قال الله في موضع آخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾، فجمع بين كتمان الدليل وكتمان الهدى، لأن ضرره لا يقف على صاحبه، بل يتعدى إلى الناس.
ثم قال سبحانه:
﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
أي هذا الذي أوحيناه إليك هو الحق الثابت الذي لا يتطرق إليه شك.
والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أبعد الناس عن الشك، والمقصود تثبيته، وتعليم أمته أن اليقين لا يؤخذ من أهواء الناس، وإنما من وحي الله.
ثم قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
أي لكل أمة قبلة وطريق تتوجه إليه بحسب ما شرعه الله لها، أو بحسب ما اختارته لنفسها.
فليس المقصود أن ينشغل المؤمن بكثرة المخالفين، وإنما أن يستقيم هو على ما أمره الله به.
ولهذا جاء التوجيه مباشرة:
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
وهذه من أعظم الآيات في تربية المؤمن.
فلم يأمرهم بالإكثار من الخصومات، ولا بإضاعة الأعمار في الجدل العقيم، وإنما أمرهم أن يجعلوا همهم المسابقة في الصلاة، والقرآن، والذكر، والعلم، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وسائر أبواب الخير.
فالمؤمن العاقل لا يؤخر الطاعات، لأنه لا يدري متى تنقضي فرصته.
ثم قال سبحانه:
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾.
أي سيجمعكم يوم القيامة من جميع أقطار الأرض، لا يعجزه مكان، ولا يخفى عليه أحد.
وفي هذا تذكير بالبعث والحساب، وأن التسابق الحقيقي ليس إلى الدنيا، وإنما إلى ما ينفع عند الوقوف بين يدي الله.
ثم ختم الآية بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فمن قدر على خلق الخلق أول مرة، فهو قادر على جمعهم بعد موتهم، ومحاسبتهم، وجزائهم بعدله ورحمته.
وفي هذه الخاتمة رد على كل من استبعد البعث أو شك في قدرة الله على إعادة الخلق.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: قد يعرف الإنسان الحق معرفة تامة، ولكن يمنعه الهوى أو الحسد أو حب الدنيا من قبوله، فالعبرة ليست بالعلم، بل بالعمل به.
الثانية: أخطر أنواع الخيانة كتمان العلم الشرعي والحق الذي يحتاجه الناس.
الثالثة: اليقين يبنى على وحي الله، لا على كثرة الموافقين أو المخالفين.
الرابعة: لا ينبغي للمؤمن أن يضيع عمره في كثرة الجدل، بل يجعل همه المسابقة إلى الطاعات.
الخامسة: العمر قصير، والفرص محدودة، والمسارعة إلى الخير من علامات صدق الإيمان.
السادسة: استحضار البعث والحساب يهون مشقة الطاعة، ويزهد في زخارف الدنيا.
السابعة: من أعظم أسباب الثبات أن ينشغل العبد بما ينفعه، ولا يلتفت إلى تشغيب أهل الباطل.
معاني مفردات الآيات
آتيناهم الكتاب: أعطيناهم التوراة والإنجيل.
يعرفونه: يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: يعرفون أمر تحويل القبلة، وكلاهما حق.
ليكتمون الحق: يخفونه ولا يبينونه.
الممترين: الشاكين والمترددين.
وجهة: جهة وقبلة وطريق يتوجه إليها.
فاستبقوا الخيرات: سارعوا إلى الطاعات والأعمال الصالحة، وتنافسوا فيها.
يأت بكم الله جميعا: يجمعكم يوم القيامة للحساب والجزاء.
قدير: لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.