الجمعة 9 صفر 1448 هـ || الموافق 24 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 2

عداوة جبريل عداوة للوحي

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (31)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝٩٧ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ۝٩٨﴾.

جاءت هاتان الآيتان ردا على شبهة باطلة أثارها بعض اليهود حين زعموا أنهم لا يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن الذي ينزل عليه الوحي هو جبريل عليه السلام، وقالوا: لو كان الذي يأتيه ميكال لاتبعناه؛ لأن جبريل - بزعمهم - ينزل بالحرب والشدة.

فأبطل الله هذه الدعوى من أصلها، وبين أن جبريل عبد من عباده، لا ينزل بشيء من عند نفسه، وإنما يؤدي رسالة ربه، فمن عادى جبريل فقد عادى من أرسله، ومن رد الوحي فقد رد الله سبحانه.

قال تعالى:
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

أي أن هذا القرآن لم يأت به جبريل من عند نفسه، وإنما نزله بأمر الله وإذنه، فهو رسول من الملائكة يبلغ أمر ربه بأمانة تامة، كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من البشر يبلغ ما أوحي إليه.

وفي قوله: ﴿عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ إشارة إلى أن محل تلقي الوحي هو القلب؛ لأنه موضع الإيمان واليقين والفهم، فإذا صلح القلب صلح الجسد كله.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

ثم وصف الله القرآن بثلاث صفات عظيمة فقال:
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

فالقرآن يصدق الكتب التي أنزلها الله قبل أن يصيبها التحريف، ويهدي إلى الحق في الاعتقاد والعبادة والأخلاق، ويبشر المؤمنين برضوان الله وجنته.

ولهذا فإن من أعرض عن القرآن فقد حرم نفسه أعظم أسباب الهداية والسعادة، ومن أقبل عليه وجد فيه حياة قلبه ونور طريقه.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين).

ثم قال سبحانه:
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.

لما خص اليهود جبريل بالعداوة، ذكر الله أن العداوة لا تتجزأ؛ فمن عادى واحدا من رسل الله أو ملائكته فقد عادى الجميع؛ لأنهم جميعا يعملون بأمر الله، لا يخالفون أمره ولا يتصرفون من عند أنفسهم.

وخص جبريل وميكال بالذكر بعد دخولهما في عموم الملائكة؛ لبيان شرفهما، وللرد على من فرق بينهما بغير حق.

وفي ختام الآية تهديد شديد لكل من يعادي الله وأولياءه، فإن من جعل نفسه في صف أعداء الله فقد استحق أن يكون الله عدوه، ولا هلاك أعظم من ذلك.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه كما في صحيح البخاري: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب).

وتعلمنا هاتان الآيتان أن المؤمن يسلم لله تسليما كاملا، فلا يختار من الوحي ما يوافق هواه ويترك ما يخالف رغبته، ولا يفرق بين رسل الله وملائكته، بل يؤمن بهم جميعا، ويوقن أن الخير كله فيما جاء من عند الله.

كما تبين أن سبب الضلال في كثير من الناس ليس نقص الأدلة، وإنما اتباع الهوى والتعصب، وإلا فإن اليهود كانوا يعلمون صدق جبريل، ويعرفون صفته، ولكن الحسد والكبر حالا بينهم وبين اتباع الحق.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: القرآن وحي من عند الله، وجبريل أمين على تبليغه، فلا مجال للطعن في مصدره.
الثانية: القلب هو محل استقبال نور الوحي، فاحرص على تطهيره من الذنوب والشبهات.
الثالثة: لا يجوز التفريق بين رسل الله ولا بين ملائكته، فكلهم عباد مطيعون لله.
الرابعة: الهوى والحسد قد يمنعان الإنسان من قبول الحق مع وضوحه.
الخامسة: القرآن هداية وبشارة، فمن لازمه عاش في نور، ومن هجره عاش في ظلمة.
السادسة: معاداة أولياء الله وأهل الحق طريق إلى سخط الله وعقوبته.
السابعة: اجعل علاقتك بالقرآن علاقة محبة وتدبر وعمل، فهو سبب رفعتك في الدنيا والآخرة.

إن هاتين الآيتين تؤكدان أن الوحي كله من عند الله، وأن جبريل عليه السلام إنما هو رسول كريم يؤدي ما أمره الله به، فلا يجوز أن تكون العداوة له أو لغيره من ملائكة الله ورسله.

كما تغرس في قلب المؤمن تعظيم القرآن، والثقة المطلقة بمصدره، واليقين بأنه الهدى والبشرى لكل من أقبل عليه بقلب صادق.

معاني مفردات الآيات

جبريل: الملك الموكل بإنزال الوحي على الأنبياء.
ميكال: الملك الموكل بالقطر والنبات والأرزاق.
نزله: أنزل القرآن.
على قلبك: على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ليعيه ويحفظه.
بإذن الله: بأمره وإرادته.
مصدقا لما بين يديه: موافقا لما صح من الكتب السابقة.
هدى: دلالة إلى الحق.
بشرى: خبر سار للمؤمنين بما أعد الله لهم من الثواب.

نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وأن يرزقنا ملازمته تلاوة وتدبرا وعملا.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام