الجمعة 2 صفر 1448 هـ || الموافق 17 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 11

المغفرة لمن أطاع والعذاب لمن بدّل

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (18)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ۝٥٨ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ۝٥٩﴾.

بعد أن ذكَّر الله بني إسرائيل بنعمة الإحياء بعد الموت، ثم بنعمة الظل والطعام في أرض التيه، ذكرهم بنعمة أخرى، وهي أنه فتح لهم باب مدينة آمنة، وأمرهم بدخولها دخول الخاضعين الشاكرين، ووعدهم بالمغفرة والزيادة إن هم أطاعوا، ولكنهم قابلوا هذا الفضل بالاستهزاء والتبديل، فاستحقوا العقوبة.

وهكذا يبين القرآن أن النعم لا تدوم إلا بالشكر، وأن الاستهانة بأوامر الله سبب لزوال البركات وحلول العقوبات.

بدأت الآيات بقوله تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ۝٥٨﴾.

أباح الله لهم أن يأكلوا من خيرات تلك القرية أكلا واسعا هنيئا، بلا تضييق ولا عناء، ثم أمرهم بأمرين يسيرين: أن يدخلوا الباب ساجدين لله خضوعا، وأن يقولوا: حطة؛ أي: حط عنا ذنوبنا واغفر لنا.

فجمع لهم بين نعمة الدنيا بالمساكن والرزق، ونعمة الآخرة بالمغفرة، ولم يطلب منهم إلا التواضع، والاعتراف بالذنب، والخضوع لله.

وهذا يدل على أن طريق المغفرة ليس طريقا معقدا، وإنما هو صدق الإنابة، والانكسار بين يدي الله، والاستسلام لأمره.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها).

فما أعظم رحمة الله بعباده، وما أوسع باب التوبة لمن أقبل عليه صادقا.

ثم قال سبحانه:
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ۝٥٩﴾.

ولكنهم لم يكتفوا بترك الامتثال، بل بدلوا القول الذي أمرهم الله به، واستهزؤوا بالأمر، وغيروا الفعل أيضا، فدخلوا على هيئة تخالف ما أمروا به، فجمعوا بين معصية الظاهر واستهزاء الباطن.

فلم يكن ذنبهم مجرد مخالفة يسيرة، وإنما كان استخفافا بأمر الله، ولذلك أنزل عليهم رجزا من السماء، أي عذابا وعقوبة؛ بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله.

وقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم).

فدل ذلك على أن كلمة الرجز في القرآن تأتي بمعنى العذاب الذي ينزله الله على من يستحقه.

وفي هذه الآيات تحذير شديد من تبديل شرع الله، أو الاستهانة بأوامره، أو التحايل عليها؛ فإن الله لا ينظر إلى الأعمال الظاهرة وحدها، بل ينظر أيضا إلى تعظيم العبد لأمره، واستسلامه لحكمه.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).

فالمؤمن الصادق يقف عند حدود الله، ولا يتلاعب بالأحكام، ولا يحتال على الشرع، بل يسلم لله تسليما كاملا.

ولو تأمل المسلم هذه الآيات لوجد أن كثيرا من الناس قد يحرمون الخير، لا لأن الطريق إليه صعب، ولكن لأن الكبر يمنعهم من الانقياد، أو لأنهم يستهينون بما أمر الله به، فيستبدلون الطاعة بالاستهزاء، والامتثال بالتحايل.

كما تعلمنا هذه الآيات أن التواضع لله يرفع صاحبه، وأن الاعتراف بالذنب مفتاح المغفرة، وأن تبديل أوامر الله أو السخرية منها من أعظم أسباب العقوبات، وأن الإحسان في الطاعة سبب للمزيد من فضل الله.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: باب التوبة مفتوح، فلا تؤخر الرجوع إلى الله.
الثانية: التواضع والانكسار بين يدي الله من أعظم أسباب المغفرة.
الثالثة: لا تستهن بأي أمر من أوامر الله، صغيرا كان أو كبيرا.
الرابعة: احذر تبديل أحكام الشرع أو التحايل عليها.
الخامسة: الإحسان في الطاعة سبب لزيادة فضل الله.
السادسة: المعاصي والاستهزاء بشرع الله سبب للعقوبات.
السابعة: سل الله دائما مغفرة الذنوب، وأكثر من الاستغفار.

لقد رسمت هذه الآيات منهجا ثابتا في معاملة الله لعباده؛ فمن خضع لأمره، واعترف بتقصيره، فتح الله له أبواب المغفرة والزيادة، ومن استكبر، وبدل أمر الله، واستخف بشرعه، استحق العقوبة.

 وهي رسالة لكل مسلم أن يعظم أوامر الله، وأن يقابل نعمه بالشكر، وأحكامه بالتسليم، فإن الخير كله في طاعته، والشر كله في مخالفته.

معاني مفردات الآيات

القرية: المدينة التي أمروا بدخولها.
رغدا: أكلا واسعا هنيئا بلا مشقة.
سجدا: خاضعين متذللين لله.
حطة: احطط عنا ذنوبنا واغفر لنا.
نغفر لكم خطاياكم: نتجاوز عن ذنوبكم.
سنزيد المحسنين: نزيدهم فضلا وثوابا.
بدل: غير وحرّف.
رجزا: عذابا من السماء.
يفسقون: يخرجون عن طاعة الله.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام