الجمعة 9 صفر 1448 هـ || الموافق 24 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 2

النسخ والاعتراضات والفرق بين سؤال المتعلم واعتراض المعاند

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم(35)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿**مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝١٠٦ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝١٠٧ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ۗ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ۝١٠٨﴾.

لما ذكر الله حسد أهل الكتاب وكراهتهم لنزول الخير على المؤمنين، جاء بعد ذلك ليرد شبهة أثاروها حول النسخ، فقد كان اليهود يطعنون في القرآن إذا نسخ الله حكمًا بحكم، ويزعمون أن ذلك ينافي الحكمة، فبين سبحانه أن النسخ ليس نقصًا، بل هو من تمام حكمته ورحمته بعباده.

فقال سبحانه:
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.

والنسخ هو: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه، وهو واقع في القرآن والسنة بإجماع أهل العلم.

وليس النسخ تغيرًا في علم الله، تعالى الله عن ذلك، وإنما هو انتقال بالعباد من حكم إلى حكم بحسب ما تقتضيه حكمته، فهو سبحانه يعلم الأول والآخر قبل أن يخلق الخلق.

وقد يكون الناس في مرحلة يحتاجون فيها إلى حكم، ثم إذا تغيرت أحوالهم شرع لهم ما هو أصلح لهم، والله أعلم بمصالح عباده.

ولهذا قال:
﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.

أي خيرًا للعباد في ثوابه، أو في التيسير، أو في زيادة المصلحة، أو مثله في المصلحة مع اختلاف الحكم.

ثم قرر سبحانه أصلًا عظيمًا بقوله:
﴿**أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

فالذي خلق الخلق، وأنزل الشرائع، له أن يشرع ما يشاء، وينسخ ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل، لأنه الحكيم العليم.

ثم قال:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

فإذا كان الملك كله لله، فالخلق خلقه، والأمر أمره، والحكم حكمه، وليس لأحد أن يعترض على شرعه.

قال تعالى:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند ابي داود وغيره:
(إن الله هو الحكم وإليه الحكم).

ثم قال سبحانه:
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.

أي ليس لكم من يتولى أموركم، ولا من يدفع عنكم الضر، إلا الله وحده.

فمن علم ذلك، استسلم لأمر الله، ورضي بحكمه، ولم يقدم بين يدي الله ورسوله رأيًا ولا هوى.

ثم انتقل الخطاب إلى تأديب المؤمنين فقال:
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ﴾.

أي لا تكونوا كحال بني إسرائيل، الذين أكثروا من الأسئلة التعنُّتية والاعتراضات، فقالوا:
﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾، ونحوها، وليس المراد النهي عن سؤال التعلم والاسترشاد، فقد كان الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عما ينفعهم في دينهم.

وإنما المنهي عنه سؤال التعنت، أو سؤال الاعتراض، أو طلب الآيات على سبيل المكابرة.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم).

ثم ختم الله الآية بقوله:
﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.

فمن ترك التسليم لله، واستبدل الاعتراض بالانقياد، والشك باليقين، فقد خرج عن الطريق المستقيم.

فالهداية لا تقوم إلا على أصلين عظيمين:

تصديق خبر الله.

والانقياد لحكم الله.

ولهذا كان شعار المؤمنين كما قال تعالى:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري:
(كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: النسخ من كمال حكمة الله، وليس طعنًا في الشريعة، فالله يشرع لعباده ما يصلحهم في كل مرحلة.
الثانية: من أيقن بأن ملك السماوات والأرض لله، رضي بقضائه وسلم لأمره.
الثالثة: لا يجوز الاعتراض على أحكام الله بعقول البشر القاصرة، فالعقول تهتدي بالوحي ولا تحاكمه.
الرابعة: فرق كبير بين سؤال المتعلم الذي يريد الهدى، وسؤال المعاند الذي يريد الاعتراض.
الخامسة: كثرة الأسئلة التي لا يقصد بها العمل قد تكون سببًا للحرمان، أما السؤال لطلب العلم فهو من أفضل القربات.
السادسة: المؤمن إذا بلغه الدليل قال: سمعنا وأطعنا، ولم يقل: لماذا؟ وكيف؟ على وجه الاعتراض.
السابعة: طريق النجاة هو التسليم لله ورسوله، فمن استبدل بذلك الشك والاعتراض فقد ضل سواء السبيل.

إن هذه الآيات تغرس في القلب أصلًا عظيمًا، وهو أن الله سبحانه هو المالك الحكيم، يشرع ما يشاء بحكمة وعدل ورحمة، وأن المؤمن الصادق يستقبل أوامر الله بالتسليم والرضا، ويجعل سؤاله طريقًا إلى العلم والعمل، لا بابًا للاعتراض والجدال، فمن امتلأ قلبه بتعظيم الله ورسوله هان عليه التسليم، وكان ذلك من أعظم أسباب الثبات والهداية.

معاني مفردات الآيات

ننسخ: نرفع حكمًا شرعيًا ونبدله بحكم آخر.
ننسها: نؤخرها أو نذهبها من القلوب، على أحد أقوال أهل التفسير.
خير منها: أنفع للعباد أو أعظم أجرًا أو أيسر عليهم.
ولي: المتولي لأمور العبد والقائم بشأنه.
نصير: من يدفع عنه الضر ويعينه.
يتبدل الكفر بالإيمان: يترك الإيمان ويختار طريق الكفر أو الاعتراض والضلال.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام