السبت 8 ذو القعدة 1447 هـ || الموافق 25 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 6687

رابطة الإخاء والعقيدة والدين وبقاء العزة والقوة والوحدة الإسلامية التي أقامها النبي عليه الصلاة والسلام خلال مرحلة النبوة

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (60)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


تبدأ هذه المرحلة بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وتنتهي بوفاته، وقد كان أول أعماله دعوة الناس إلى توحيد الخالق ونبذ الشرك ، فحقق الله على يديه أثر تصحيح العقيدة الإسلامية ، فكل من آمن به وبما جاء به من عند الله انضم إلى هذه الجماعة الإسلامية التي أميرها محمد صلى الله عليه وسلم، فكانوا جميعاً إخوةً متحابين على عقيدةٍ سماويةٍ واحدة، معتقدين الإعتقاد الجازم أن العبادة لا تجوز إلا لله الواحد القهار، وبذلك جاء الوحي السماوي يناشد الكافرين ويدعوهم إلى توحيد العقيدة الصحيحة، حيث خاطبهم بالعودة إلى أصل الفطر السليمة، فكان الخطاب السماوي حواراً للتأمل في واقعهم وما هم عليه من عبادة الأصنام والأوثان من دون الله الذي خلقهم ورزقهم ثم هم بعد ذلك يشركون، ودعوةً لنبذ الشرك وأهله ، فقال تعالى: { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (64)} ([1]).
وقال تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)} ([2]).
وقال سبحانه: {قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاء كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)} ([3]).
وقال عز وجل: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28)}([4]).
لقد خاطبهم الوحي بما يعقلون من الكلمات الواضحات الجليلات، وقال لهم: إنكم تعبدون أصناماً مخلوقةً لا تضر ولا تنفع، لا تخلق ولا ترزق، فربكم هو الذي خلقكم وخلق السموات والأرض ورزقكم من الطيبات فأنزل المطر وأنبت به الزروع والثمار المختلفة ومع ذلك تجعلون العبادة لغيره سبحانه، وهو وحده الذي جعل لكم الأرض ثابتةً ولو كانت متحركةً من غير أوتادٍ لما استقر عليها عيشكم، وهو الذي يجيب المضطر الذي يقصده بالدعاء عند الملمات والشدائد، ومِنْ فضله أنه جعلكم خلفاء الأرض، فيذهب جيل ويليه آخر حتى صارت هذه الأرض معمورةً بكم وبأبنائكم مِنْ بعدكم.
لقد منَّ الله عليكم بالأمن والأمان في البر والبحر، وأرسل الرياح رحمةً بكم فأنزل المطر فسُقيتم وسقى زرعكم وثماركم ، وصارت الأرض مُخْضَرَّة ذات ثمار يانعة، وهو الذي بدأخلقكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون.
فيا أيها الناس كيف لو جعل الله عليكم الليل دائماً من غير نهار فمن يأتيكم بالنهار الذي يعينكم على طلب معاشكم ، وكيف لو جعل نهاركم دائماً من غير ليل فكيف لكم بليلٍ تسكنون فيه.
لقد خاطبهم القرآن الكريم بلغة الحوار والتفكر والتأمل فيما حولهم وما يعيش في فلكهم من ملكوت السماوات والأرض وما فيهن من النعم العظيمة علَّهم أن يراجعوا أنفسهمويتركوا الشرك ويُخْلِصوا التوحيد للواحد سبحانه.
فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات ونحوها على العامة والخاصة ، وقال لهم : "اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم" ([5]).
فكثر الأتباع الموحدون، ومن هنا تحقق أثر التوحيد للجماعة الإسلامية في العهد النبوي، ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة أصلح بين الأوس والخزرج و" آخى بين المهاجرين والأنصار وكانـوا تسعين رجلاً: نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصــار، آخــى بينهم على المواساة وعلى أن يتوارثوا بعد المـوت دون ذوي الأرحام إلى وقعة بدر فلما أنزل الله :{وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} ([6]) رد التوارث إلى الأرحام دون عقد الأخوة " ([7]) لكن بقيت المواساة والعطاءات فتحققت ثمرة التكافل والألفة بين المهاجرين والأنصار، ومن هنا ظهرت آثار عظيمة من أهمها الألفة والراحة النفسية وروح التكامل، فوطَّد بذلك قاعدة أخوة الدين على أسس متينة.
ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى بناء المسجد فقام ومعه صحابته من المهاجرين والأنصار وبنوا المسجد المدني، فكان المرتع المبارك لجمع المسلمين كي يتلقوا التعاليم والوعظ والإرشاد من الرسول الأعظمصلى الله عليه وسلم، فتحقق أثر التواصي بالخير، والشعور بالطمأنينة والراحة الإيمانية من خلال مجالس العلم والوعظ والذكر ، فتخرَّج من هذا المسجد العلماء والأمراء والقادة ، فكان الجامعةَ الإسلاميةَ الأولى في الإسلام.
ثم فرض الله سائر العبادات وكان أولها الصلاة التي فرضت في مكة ثم نزلت أحكامها مفصلة بالمدينة ثم تلاها بقية العبادات من صيام وزكاة وحج وأحكام أخرى، ثم فرض الله الجهاد فجمع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين وتلا عليهم قوله تعالى " : {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَدِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)}([8]).
وقوله تعالى: {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ}([9]) .
وقال لهم صلى الله عليه وسلم :"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من النفاق"([10]).
فاستجاب له هؤلاء الأتباع فخذل الله بهم الكفر وأهله وفتح الله مكة فصار العرب يدينون بدين الإسلام فظهر أثر القوة الذي كان يخشاه الفرس والروم وغيرهم من الأعاجم ، وقبل وفاته صلى الله عليه وسلم قال لصحابته الكرام في حجة الوداع: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضُكم رقاب بعض" ([11]).
لقد حثهم على رابطة الإخاء وبقاء العزة والقوة والوحدة الإسلامية التي أقامها فيهم وحذرهم الفرقة والشحناء بعد موته صلى الله عليه وسلم ، فكانت هذه الثمار ظاهرة في حياته صلى الله عليه وسلم فانتفع بها صحابته حتى ساروا يدعون إليها مِنْ بعده رضوان الله عليهم.

أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
_________
([1]) سورة النمل ، الآية رقم (59ـ64).
([2]) سورة القصص ، الآية رقم (71ـ72).
([3]) سورة سبأ ، الآية رقم (27).
([4]) سورة الملك ، الآية رقم (28).
([5]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الوحي ، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1/ 7 رقم 7)] من حديث ابن عباس.
([6]) سورة الأحزاب ، الآية رقم (6).
([7]) مختصر سيرة الرسول لمحمد بن عبد الوهاب النجدي التميمي(ص137)، تحقيق: عبد العزيز بن زيد الرومي ومحمد بلتاجي وسيد حجاب ، مطابع الرياض بالرياض، الطبعة: الأولى.
([8]) سورة التوبة ، الآية رقم (26).
([9]) سورة التوبة، الآية رقم (41) .
([10]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإمارة ، باب ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو (2/ 938 رقم 2509) من حديث ابن مسعود.
([11]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب العلم ، باب الإنصات للعلماء " (1/ 56 رقم 121)، ومسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب بيان معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " (1/ 81 رقم 65 ) من حديث جرير.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام