الثلاثاء 29 محرم 1448 هـ || الموافق 14 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    أولئك لهم الأمن وهم مهتدون    ||    عدد المشاهدات: 36

إذا ضاع الأمن ضاعت الأوطان

[ضمن سلسلة (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)، الحلقة رقم5]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


إن أعظم ما تبتلى به الأمم بعد فساد العقيدة هو فقد الأمن، إذ لا تبقى معه حياة مستقرة، ولا تجارة مزدهرة، ولا علم منتشر، ولا عبادة مطمئنة. ولهذا كان الأمن نعمة إذا حضرت خفي قدرها، وإذا غابت عرف الناس قيمتها.

وقد ضرب الله مثلا خالدا لبلد اجتمع له الأمن والرخاء، ثم زالت عنه النعمة بسبب كفرها، فقال سبحانه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)

فتأمل كيف بدأ بالأمن، ثم الرزق، ثم لما زالت النعمة اجتمع عليهم الجوع والخوف؛ لأن الخوف إذا دخل بلدا جر معه كل أنواع الشقاء.

ولهذا قال الله تعالى أيضا: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).

فجمع بين الطعام والأمن؛ لأن أحدهما لا يغني عن الآخر.

ومن سنن الله التي لا تتبدل أن الظلم والعدوان والفتن إذا انتشرت، كان ذلك سببا في زوال الأمن. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ).

وقال سبحانه: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا).

فكل من يسعى إلى نشر الفوضى، أو ترويع الآمنين، أو بث الشائعات، أو الاعتداء على الدماء والأموال، فهو يسهم في هدم أعظم نعمة امتن الله بها على عباده.

وقد حذر النبي ﷺ من كل ما يخل بأمن الناس، فقال كما ثبت عند أبي داود وغيره: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلما). فإذا كان الترويع منهيا عنه، فكيف بمن يسفك الدماء، أو يروع المجتمعات، أو ينشر الفوضى؟

ولذلك كانت الشريعة شديدة في حماية الأمن، فجعلت الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض من أكبر الكبائر، ورتبت العقوبات الزاجرة على من يفسدون في الأرض، حماية للمجتمع، وصيانة لحياة الناس.

وقد أدرك العقلاء من المسلمين وغير المسلمين أن الأمن هو أساس بقاء الدول. وقد قال العلماء: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.

ومعنى ذلك أن العدل سبب للاستقرار، والاستقرار سبب للأمن، والأمن سبب للعمران.

وقد قيل: الظلم مؤذن بخراب العمران.

فإذا خرب العمران، ضعفت التجارة، وتعطلت المصالح، وهاجر أهل الخبرات، وتراجع العلم، وتفككت الأسر، وضاعت هيبة الدولة.

ولو تأملنا أحوال العالم اليوم، لرأينا أن كثيرا من البلاد لم تفقد ثرواتها أولا، وإنما فقدت أمنها، فلما ضاع الأمن ضاعت الثروات تباعا، وأصبحت المدن العامرة أطلالا، والمزارع مهجورة، والمصانع متوقفة، وأصبح الناس بين نازح ولاجئ وخائف.

وفي المقابل، فإن الدول التي أنعم الله عليها بالأمن أصبحت مقصدا للتجارة والاستثمار والعلم والسياحة، لأن الإنسان بطبعه يطلب الطمأنينة قبل أن يطلب الرفاهية.

إن المحافظة على الأمن ليست شعارا يرفع، بل عمل يومي يبدأ من تقوى الله، واحترام التعليمات، وحفظ اللسان، واجتناب الشائعات، وتربية الأبناء على حب أوطانهم، والتعاون مع رجال الأمن، والإبلاغ عن كل ما يهدد سلامة المجتمع.

والحاصل: أن سقوط الأوطان لا يبدأ بانهيار المباني، وإنما يبدأ بانهيار الأمن. فإذا ذهب الأمن، ذهب معه العلم، والاقتصاد، والعبادة، والاجتماع، وتفرقت الكلمة، وضعفت الأمة. ومن أجل ذلك جعل الإسلام حفظ الأمن من أعظم الواجبات، وجعل الإفساد في الأرض من أعظم الجرائم.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام