الخميس 1 صفر 1448 هـ || الموافق 16 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    أولئك لهم الأمن وهم مهتدون    ||    عدد المشاهدات: 16

الأمن أساس الحضارة وعماد النهضة

[ضمن سلسلة (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)، الحلقة رقم (8)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


إذا كان القرآن الكريم قد جعل الأمن من أعظم نعم الله، فإن تاريخ الإنسان كله يشهد أن الحضارات لا تقوم إلا في ظله، وأن الأمم لا تبلغ الرقي إلا إذا استقرت أوطانها، وأمن الناس على دينهم وأنفسهم وأموالهم.

ولذلك قرر القرآن هذه الحقيقة قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، فقال سبحانه:
﴿الَّذِىٓ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَءَامَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ۝٤﴾.

فالأمن في الإسلام ليس راحة نفسية فحسب، بل هو أساس العمران، ومفتاح التنمية، وسر ازدهار الأمم.

وقد أدرك علماء الإسلام هذه الحقيقة منذ قرون.

فقال بعضهم: لا يصلح الناس إلا بدين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام.

وقالوا: الظلم مؤذن بخراب العمران.

وهذه العبارة الوجيزة تعد من أعظم القواعد في علم الاجتماع؛ لأن الظلم يولد الخوف، والخوف يقتل العمل، والعمل إذا توقف انهار العمران.

ولذلك نجد أن الإسلام جعل إقامة العدل من أعظم أسباب الأمن، فقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْىِۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝٩٠﴾.

فالعدل يولد الثقة، والثقة تجلب الاستثمار، والاستثمار يحقق التنمية، والتنمية تزيد استقرار المجتمع، وهكذا تتكامل حلقات النهضة.

ولم تقتصر هذه الحقيقة على علماء المسلمين، بل أقر بها كثير من مفكري العالم وساسته، حتى أصبحت من المسلمات في علم الاقتصاد والإدارة والسياسة؛ فالأموال تنتقل إلى البيئات الآمنة، والعقول تهاجر إلى المجتمعات المستقرة، والتجارة تزدهر حيث يسود النظام، أما الفوضى فإنها تطرد المال والعلم معًا.

ولذلك فإن الأمم لا تُقاس بثرواتها وحدها، بل بما تملكه من أمن وعدل واستقرار، فقد تكون الدولة غنية بالموارد، ولكنها إذا فقدت الأمن تعطلت مصالحها، وهاجر أهل الخبرة منها، وتوقفت عجلة التنمية.

وفي المقابل، قد تكون موارد بعض الدول محدودة، لكنها لما أقامت الأمن والنظام أصبحت مقصدًا للتجارة والاستثمار والعلم.

وهذا يبين عظمة الشريعة الإسلامية؛ فإنها لم تجعل الأمن غاية مستقلة، وإنما جعلته ثمرة للإيمان، والعدل، وحفظ الحقوق، وطاعة الله، ولذلك كان أمنها أمنًا قائمًا على الأخلاق قبل الأنظمة، وعلى الرحمة قبل العقوبة، وإن كانت العقوبة المشروعة تحفظ المجتمع وتردع المعتدين.

إن الأمن ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو ثقافة مجتمع، فإذا صدق الناس، وأدوا الأمانات، واحترموا التعليمات، وربوا أبناءهم على الوسطية، وأخلصوا في أعمالهم، أصبحوا جميعًا شركاء في صناعة الأمن، وفي بناء الحضارة.

والحاصل: أن الحضارة لا تُبنى بالحجارة، وإنما تُبنى بالإنسان، والإنسان لا يبدع إلا إذا شعر بالأمن، ولهذا كان الأمن هو الأرض التي تنبت فيها العلوم، وتنمو عليها الاقتصادات، وتزدهر بها الحضارات.

وصدق الله العظيم حين جعل الأمن من أعظم نعمه على عباده، لأنه المفتاح الذي تُفتح به أبواب الخير كلها.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام