الكفر ليس سببه خفاء الحق بل الإعراض عنه
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (32)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ٩٩ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠٠ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٠١﴾.
بعد أن بين الله تعالى بطلان عداوة اليهود لجبريل عليه السلام، انتقل إلى بيان حقيقة أخرى، وهي أن سبب كفرهم لم يكن نقص الأدلة ولا غموض الحق، وإنما الفسق، ونقض العهود، والإعراض المتعمد عن الوحي.
ولهذا افتتح سبحانه هذه الآيات بقوله:
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ٩٩﴾.
أي لقد أنزلنا إليك من البراهين والحجج والدلائل ما يقطع كل عذر، ويقيم الحجة على كل منصف، فلا يردها إلا من خرج عن طاعة الله، وآثر هواه على الحق.
وفي هذا أعظم رد على من يظن أن الناس إنما يضلون لضعف الأدلة؛ فإن القرآن مليء بالآيات البينات، ولكن الهداية توفيق من الله لمن أقبل عليه بقلب سليم.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة).
فالقرآن هو أعظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، باق إلى قيام الساعة، تتجدد آياته، ولا تنقضي عجائبه.
ثم كشف الله خلقا قبيحا من أخلاق بني إسرائيل فقال:
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠٠﴾.
لقد كان نقض العهود سجية متكررة فيهم؛ يعاهدون ثم ينقضون، ويوثقون ثم يخونون، سواء كان العهد مع الله أو مع أنبيائه أو مع الناس.
ولهذا لم يقل سبحانه: نبذه جميعهم، بل قال: ﴿فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾؛ لأن القرآن يعدل حتى مع من يذمهم، فلا يحمل الجميع ذنب البعض.
ثم بين أن أكثرهم لم يكن يحمل إيمانا صادقا يمنعه من الخيانة، فقال:
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
ومن أعظم علامات الإيمان الوفاء بالعهد.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان).
ثم بلغت الآيات ذروة التقريع فقال تعالى:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٠١﴾.
لقد كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يستفتحون به على المشركين، ويعلمون صفاته في التوراة، فلما جاءهم بما عرفوا، أعرض كثير منهم حسدا واستكبارا.
ولم يكتفوا برد النبي صلى الله عليه وسلم، بل نبذوا كتاب الله الذي بأيديهم؛ لأنه كان شاهدا بصدق رسالته.
وقوله تعالى:
﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾
تصوير بليغ لشدة الإعراض؛ فإن من ألقى الشيء وراء ظهره فقد أعلن أنه لا يريد النظر إليه ولا الانتفاع به.
وقوله:
﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
أي تصرفوا تصرف الجاهل، مع أنهم يعلمون الحق، ولكن العلم إذا لم يصحبه إخلاص وانقياد صار حجة على صاحبه.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(والقرآن حجة لك أو عليك).
فهذه الآية ليست خاصة ببني إسرائيل، بل هي تحذير لكل مسلم أن يهجر القرآن، أو يسمع أوامره ثم يعرض عنها، فإن هجر القرآن قد يكون بترك تلاوته، أو ترك تدبره، أو ترك العمل به، أو ترك التحاكم إليه.
وكم من مسلم يحمل المصحف في بيته، لكنه لا يجعل القرآن قائدا لحياته، فيخشى عليه أن يناله من هذا الوعيد بقدر ما أعرض عن هداية ربه.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: القرآن مليء بالبينات، ومن لم يهتد به فالمشكلة في قلبه لا في الدليل.
الثانية: الفسق واتباع الهوى من أعظم أسباب الحرمان من الهداية.
الثالثة: الوفاء بالعهد من أخلاق المؤمنين، والغدر من صفات المنافقين.
الرابعة: الحسد والكبر قد يحجبان الإنسان عن قبول الحق مع علمه به.
الخامسة: لا يكن حظك من القرآن حمله أو تلاوته فقط، بل اعمل بأوامره كلها.
السادسة: أخطر أنواع الهجر أن يعرف الإنسان الحق ثم يعرض عنه.
السابعة: كلما ازداد علم العبد بالقرآن ازدادت مسؤوليته أمام الله، فليكن علمه طريقا إلى العمل لا حجة عليه.
إن هذه الآيات تكشف أن أعظم أسباب الضلال ليست قلة البراهين، وإنما فساد الإرادة، وأن من استسلم لهواه قد يرى الحق واضحا ثم يرفضه. كما تعلم المؤمن أن شرفه الحقيقي ليس في كثرة علمه، وإنما في صدقه مع الله، ووفائه بعهوده، وتعظيمه لكتابه، والعمل بما فيه.
معاني مفردات الآيات
آيات بينات: دلائل واضحات ظاهرات لا لبس فيها.
الفاسقون: الخارجون عن طاعة الله.
عاهدوا: أعطوا العهد والميثاق.
نبذه: طرحه وتركه.
مصدق لما معهم: موافق لما بقي صحيحا من كتبهم.
وراء ظهورهم: أعرضوا عنه إعراضا تاما.
كأنهم لا يعلمون: تركوا العمل بعلمهم، فصاروا كحال الجاهلين.