الثلاثاء 29 محرم 1448 هـ || الموافق 14 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 6

لماذا كانت أول معصية سببها الكبر؟ وكيف فتح الله باب التوبة لأول إنسان؟

[ضمن سلسلة نور القرآن - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (10)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَٰفِرِينَ ۝٣٤ وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّـٰلِمِينَ ۝٣٥ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ ۝٣٦ فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ۝٣٧﴾.

بعد أن بين الله في الآيات السابقة شرف آدم عليه السلام، وأنه فضله بالعلم، وأظهر ذلك للملائكة، جاءت هذه الآيات لتكشف أول معركة بين الحق والباطل، وأول معصية وقعت في هذا الوجود، وأول باب فتحه الله للتوبة والرحمة.

إنها قصة تعلم الإنسان أن الكبر أصل كل شر، وأن الشيطان لا يزال يسعى لإضلال بني آدم، وأن رحمة الله أوسع من الذنب لمن رجع إليه صادقا.

تبدأ الآيات بقوله تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَٰفِرِينَ ۝٣٤].

كان هذا السجود سجود تحية وتكريم لآدم بأمر الله، وليس سجود عبادة، فالعبادة لا تكون إلا لله وحده. وما إن صدر أمر الله حتى بادر الملائكة إلى الامتثال الكامل، فلم يناقشوا، ولم يترددوا، لأن شأن المؤمن الصادق أن يقول إذا جاء أمر الله: سمعنا وأطعنا.

أما إبليس فقد اختار طريقا آخر؛ طريق الكبر والعناد، فأبى أن يسجد، لا لأنه يجهل الأمر، ولكن لأنه رأى نفسه أفضل من آدم. فكان الكبر حجابا بينه وبين الطاعة، وأورثه الاعتراض على أمر الله، حتى استحق الطرد من رحمته.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من هذا الداء العظيم فقال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس).

وهكذا يعلمنا القرآن أن أخطر ما يصيب القلب ليس الجهل، وإنما الكبر؛ لأن الجاهل قد يتعلم، أما المتكبر فإنه يرد الحق إذا خالف هواه، ويحتقر الناس إذا خالفوه. ولهذا قال بعضهم: ما عصي الله بذنب أعظم من الكبر؛ لأنه الذنب الذي حمل إبليس على المعصية، وحمل كثيرا من الأمم على رد دعوة الأنبياء.

ثم قال تعالى:
﴿وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّـٰلِمِينَ ۝٣٥].

لقد أكرم الله آدم وزوجه بإسكانهما الجنة، وأباح لهما نعيمها الواسع، فلم يمنعهما إلا من شجرة واحدة، ليظهر معنى العبودية، فإن حقيقة الطاعة أن يقف العبد عند حدود ربه، ولو كان الممنوع شيئا واحدا بين آلاف المباحات.

فالله لم يضيق عليهما، وإنما وسع لهما، ثم جعل هذا النهي اختبارا لطاعتهما لله، لأن الإيمان لا يظهر بالأقوال فحسب، بل لا بد أن يظهر عمليا عند امتثال الأوامر واجتناب النواهي.

وهكذا هي الحياة كلها؛ فما أحل الله أكثر بكثير مما حرم، ولكن الشيطان يصرف أنظار الناس عن هذا كله، ويعلق قلوبهم بالممنوع.

ثم قال سبحانه:
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ ۝٣٦﴾.

لم يأت الشيطان إلى آدم بسيف، ولم يجبره على المعصية، وإنما جاءه من باب الوسوسة والخداع، حتى أوقعه في المخالفة.

وهذه هي طريقة الشيطان مع كل إنسان؛ فهو لا يبدأ بدعوته إلى أعظم الذنوب، وإنما يزين له الخطوة الأولى، ثم الثانية، حتى يوقعه فيما يريد.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شدة ملازمة الشيطان للإنسان فقال كما في الصحيحين: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم).

ولهذا كان المسلم مأمورا أن يستعيذ بالله من الشيطان، وأن يغلق أبواب الفتنة من بدايتها، قبل أن تتسع حتى يصعب الخروج منها.

ثم قال تعالى:
﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ۝٣٧﴾.

ما أعظمها من آية! فما إن ندم آدم عليه السلام على خطئه، ورجع إلى ربه، حتى علمه الله كلمات التوبة، ثم قبلها منه.

وقد بين القرآن هذه الكلمات في موضع آخر، فقال سبحانه:
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

 الذنب ليس نهاية الطريق، وإنما النهاية الحقيقية أن يصر الإنسان على الذنب، أو يقنط من رحمة الله.

لقد جمع آدم بين الاعتراف بالذنب، والندم عليه، والرجوع إلى ربه، ففتح الله له باب التوبة، وأكرمه بالقبول.

أما إبليس، فلم يعترف بخطيئته، بل أصر عليها، واعترض على حكم الله، وألقى سبب معصيته على أمر ربه، فازداد بعدا وطردا. وهنا يظهر الفرق العظيم بين طريقين: طريق المتكبر الذي يبرر خطأه، وطريق المؤمن الذي يعترف بذنبه ويستغفر ربه.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه عند الترمذي وغيره:
(كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).

فليس الكمال في ألا يذنب الإنسان، فإن ذلك ليس من شأن البشر، وإنما الكمال في سرعة الرجوع إلى الله كلما وقع في زلة أو تقصير.

ولو تأمل الإنسان حياته، لوجد أنه لا يخلو من ذنب أو هفوة أو غفلة، ولكن المؤمن الصادق لا يقيم على الذنب، بل يفر منه إلى ربه، ويجدد توبته، ويحسن الظن بربه، ويوقن أن رحمته أوسع من ذنوبه، وأنه سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه مخلصا.

ولهذا تعلمنا هذه الآيات أن الكبر يهلك صاحبه، وأن الشيطان عدو لا يفتر عن الإغواء، وأن حدود الله كلها رحمة وحكمة، وأن باب التوبة مفتوح لكل من صدق في إنابته، مهما عظم ذنبه، فإن الله هو التواب الرحيم.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: احذر الكبر، فإنه أول ذنب عصي الله به، وهو سبب رد الحق والحرمان من الهداية.
الثانية: بادر إلى امتثال أوامر الله كما بادر الملائكة، ولا تجعل الهوى حاكما على الشرع.
الثالثة: لا تغتر بنفسك، فالشيطان لا يزال يتربص بك، ويزين لك خطوات المعصية حتى يوقعك فيها.
الرابعة: قف عند حدود الله، فإن الخير كله فيما أحل، والشر كله في تعدي حدوده.
الخامسة: إذا أذنبت، فلا تيأس من رحمة الله، بل بادر بالتوبة والاستغفار، فإن الله يحب التوابين.
السادسة: لا تبرر خطأك، ولا تلق باللوم على غيرك، بل اعترف بتقصيرك كما فعل آدم عليه السلام.
السابعة: اجعل حياتك كلها بين الخوف من الذنب، والرجاء في رحمة الله، فبهما يستقيم القلب.

إن هذه الآيات ترسم للبشرية طريقين لا ثالث لهما؛ طريق إبليس الذي بدأ بالكبر، ثم الاعتراض، ثم الإصرار، فكان جزاؤه اللعنة والطرد، وطريق آدم عليه السلام الذي بدأ بالزلة، ثم الندم، ثم الاعتراف، ثم التوبة، فكان جزاؤه المغفرة والرحمة.

وما يزال الناس يسيرون إلى يوم القيامة بين هذين الطريقين؛ فمن تشبه بإبليس في استكباره وعناده وإصراره، خسر دنياه وآخرته، ومن اقتدى بآدم في سرعة رجوعه إلى ربه، نال مغفرة الله ورضوانه. فالسعيد ليس من لا يذنب، وإنما السعيد من كلما أذنب تاب، وكلما قصر استغفر، حتى يلقى الله بقلب منيب.

معاني مفردات الآيات

اسجدوا: اخضعوا سجود تكريم بأمر الله.
أبى: امتنع عن الطاعة.
استكبر: تكبر وتعاظم عن امتثال أمر الله.
رغدا: واسعا هنيئا بلا مشقة.
لا تقربا: لا تدنوا منها، فضلا عن الأكل منها.
الظالمين: المتجاوزين حدود الله.
أزلهما: أوقعهما في الزلة والخطيئة.
اهبطوا: انزلوا من الجنة إلى مكان دونها من الأرض.
عدو: مبغض يسعى إلى الإضرار.
مستقر: موضع إقامة إلى انتهاء الأجل.
متاع: ما ينتفع به مدة الحياة.
تلقى: أخذ وقبل.
التواب: كثير القبول لتوبة عباده.
الرحيم: الواسع الرحمة بخلقه.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام